#dfp #adsense

الأولوية الاتفاق على الصيغة التي تضمن الحياد

حجم الخط

لأن أي نظام وأي دستور لم يُقِمْ دولة في لبنان
الأولوية الاتفاق على الصيغة التي تضمن الحياد

ترى أوساط سياسية ان اتفاق اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على "اي لبنان يريدون" يبقى أهم من جوابهم على اي نظام او دستور يريدون، لان اي نظام او دستور يتفقون عليهما لا ينهيان الخلاف الذي يبرز من حين الى آخر حول هوية لبنان، وحول نهائيته كوطن، وعلى كونه ساحة مفتوحة لصراعات المحاور وتصفية الحسابات، ام واحة وئام وسلام، وتقوم فيه دولة قوية قادرة لا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها. فميثاق الـ43 نشأ على اساس "لا شرق ولا غرب"، اي لا لوحدة مع سوريا ولا لحماية فرنسية، بحيث لا يكون لبنان موضع تجاذب خارجي. وقد فقد لبنان هذا الوضع المحايد بين الشرق والغرب عندما قبل الانضمام الى جامعة الدول العربية، بحيث اصبح طرفا في النزاعات العربية عندما كان يصوت مع هذا الطرف العربي او ذاك، فلو انه ظل خارج الجامعة لبقي بعيدا عن الصراعات العربية والاقليمية والدولية بحيث يكون مع العرب في اتفاقهم وعلى الحياد في خلافهم وهذا كان رأي الرئيس اميل اده و"كتلته الوطنية"، ولمَا اصبح لبنان ساحة مفتوحة لصراعات المحاور منذ الاستقلال الى يومنا هذا، ولمَا شهدت هذه الساحة صراع نفوذ بريطاني – فرنسي ثم صراع نفوذ بريطاني – اميركي، وعربي – عربي، واخيرا وليس آخرا صراعا بين محور اميركي ومن معه ومحور سوري ايراني ومن معه، ويكون لبنان وحده ساحة لكل هذه الصراعات، حتى ان الدفاع عن القضية الفلسطينية التي يلتزم لبنان الدفاع عنها ولا يقف على الحياد منها، كان لبنان ساحتها شبه الوحيدة المفتوحة لحروبه ولحروب الآخرين على ارضه فدفع غاليا ثمن ذلك بشريا وماديا وكذلك من سيادته واستقلاله، ومن مقوماته كدولة.

وبما ان ميثاق 43 لم يَحُلْ دون تحويل لبنان ساحة، عندما اتجهت فئة من ابنائه نحو الشرق وفئة نحو الغرب، ولا اتفاق الطائف اقام فيه دولة القانون والمؤسسات تنفيذا لمضمون هذا الاتفاق، بل اقام عليه وصاية سورية فكان شبه دولة، فلا السلطة كانت سلطتها ولا الامن كان امنها بل كان امنا مستعارا وليس ذاتيا. وعندما انتهت هذه الوصاية كثر الاوصياء على لبنان في غياب الدولة اللبنانية القوية القادرة على منع تحويله ساحة مفتوحة للصراع بين هؤلاء الاوصياء المتعددي الهوية والجنسية.

لذلك، فان السؤال المطروح الآن الذي يتطلب جوابا عليه من اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم هو: اي لبنان يريدون؟ لئلا يصبح السؤال: لبنان الى أين؟ اذا ظل ساحة مفتوحة ولا دولة فيه. هل يريدون لبنان دولة ديموقراطية علمانية تحكم فيه الاكثرية والاقلية تعارض، كما هو حاصل في دول الغرب، ام يريدون لبنان دولة اوتوقراطية او توافقية تحكم فيها كل المذاهب والطوائف مهما تكن نتائج الانتخابات النيابية. وتكون في الواقع دولة "فيديرالية الطوائف"؟ هل يريدون لبنان كما هو حتى اليوم مع هذا المحور العربي والاقليمي والدولي او ذاك فيبقى ساحة مفتوحة للصراعات وابناؤه منقسمون بين مؤيد لهذا المحور او ذاك، حتى اذا ما انتصر محور على آخر كان انتصار فئة لبنانية على فئة اخرى…

هل يريدون لبنان جزءا من الصراعات العربية والاقليمية والدولية ام يريدونه محايدا يقف مع العرب وهم متفقون وعلى الحياد وهم مختلفون؟ هل يريدونه كما دعا الرئيس سليمان في اكثر من خطاب له في المحافل العربية والدولية مركز حوار للحضارات والاديان بحيث يشكل هذا المركز مع الوقت جسر عبور الى الدولة المدنية التي تعتمد سياسة الحياد الايجابي، لان لا عبور الى هذه الدولة عندما تتحول جسر عبور الدول المتصارعة اليها، فلا تبقى عندئذ دولة بل غابة للوحوش…

وترى الاوساط نفسها انه عندما يتفق اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم على اي لبنان يريدون فلا يعود يهم من يحكمه، مسلما كان ام مسيحيا، بل يصير همُّ اللبنانيين ان يحكمهم الاصلح والافضل والاكفأ والأنزه، اذ ماذا ينفع الناس إن حكم لبنان مسيحي فاسد او تابع او مستبد وغير عادل او حكمه مسلم نظيف ونزيه وعادل ومؤمن بلبنان السيد الحر المستقل ووطن نهائي لجميع ابنائه، ولماذا يبقى خلاف على توزيع المناصب واقتسام السلطات مذهبيا وعلى تنازع الصلاحيات فيكون رئيس الجمهورية مارونيا ورئيس مجلس النواب شيعيا ورئيس الحكومة سنيا او تكون هذه المناصب مداورة بين المذاهب الثلاث، ولا تكون مفتوحة على كل المذاهب من اجل اختيار الافضل والاصلح والاكفأ والأنزه ولكن بعد الاتفاق على ان يكون لبنان اولا واخيرا، لبنان الدولة لا الساحة، لبنان البعيد كل البعد عن لعبة المحاور وصراعاتها، فعندما يطمئن اللبنانيون الحريصون على وجود لبنان، هوية وكيانا ، سيدا حرا، ولا يبقى مهددا بهويته وكيانه بفعل الصراعات على ارضه، فلا يعود يهمهم عندئذ اي طائفة تحكم لبنان انما كيف تحكمه، فيختار في الانتخابات الشخص الاصلح والاكفأ والأنزه، مسلما كان ام مسيحيا، عندما يتوصل اللبنانيون بكل مذاهبهم الى اتفاق على ان يكون لبنان اولا، وان يكون دولة ولا دولة سواها، ولا يبقى ساحة مفتوحة كما هو الآن، ولا يكون لا مع "الشرق ولا مع الغرب" بل مع نفسه ومع ما يخدم مصالحه ومصالح شعبه. فعندما كان المسيحي يصر على ان يبقى محتفظا بهذا المنصب او ذاك، لم يكن ذلك الا خوفا منه على لبنان الذي لا وطن له سواه، ولكن عندما يزول هذا الخوف لا يعود متمسكا بمذهبية المناصب، بل يصير همه الحفاظ على لبنان هوية وكيانا وسيدا حرا مستقلا مع من يحكمه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل