#dfp #adsense

لبنان في حوار “حائك السجاد” وبائع “الهوت دوغ”

حجم الخط

مخاوف الصفقة توازي بتأثيراتها مخاوف الاصطدام
لبنان في حوار "حائك السجاد" وبائع "الهوت دوغ"

تتعدد الروايات في تحديد من هو الطرف الإقليمي المسؤول عن تعطيل تشكيل حكومة ائتلاف وطني في لبنان، بالرغم من مضي أربعة أشهر على الانتخابات النيابية وقرابة المئة يوم على تكليف زعيم الغالبية النيابية الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة.
يذهب فريق من المراقبين إلى ترجيح تحميل الطرف الإيراني مسؤولية العرقلة. فإيران التي تخوض حالياً مساراً تفاوضياً في ملفها النووي قد يؤدي إلى إرساء مصالحة تاريخية بينها وبين المجتمع الدولي لن تقتصر نتائجه على الملف النووي حصراً، كانت قبل أشهر على مشارف التحضير لهذه المفاوضات، وكانت تعرض للعالم مدى تأثيرها في أكثر من مكان بهدف تعزيز شروط هذا التفاوض لتحقيق أفضل المكاسب.

ويذهب هؤلاء الى القول إن مؤشرات التحول في المواقف الإيرانية والدولية منذ اجتماع جنيف بين الدول الخمس + ألمانيا مع إيران الأسبوع الماضي وزيارة وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلى واشنطن، في ظل الحديث المتكاثر عن "صفقة تاريخية" تشمل أموراً وملفات عدة، كل ذلك يرتب تحديات على المستويين اللبناني والعربي، لا تقل أهمية في تأثيراتها وتداعياتها عن التحديات التي يفرضها احتمال فشل الحوار القائم وعودة الأمور الى اتجاهات التأزيم.

دمشق ورحلة التأهيل

هذا لا يعني، بحسب هؤلاء، أن ليس ثمة أطراف اقليمية أخرى كانت ولا تزال صاحبة مصلحة في ـ أو تريد ـ أن تظهر بمظهر المؤثر في مسار العملية السياسية في لبنان والمنطقة أيضاً، وهو الأمر الذي ينطبق على سوريا. لكن هناك من يرى أن سوريا في مرحلة تحسين علاقاتها مع السعودية، وبداية شهر العسل مع الغرب تسعى لان تنفي عنها صفة المعرقل في لبنان، ولا تريد التورط بكل ما من شأنه أن يغضب هذه الجهات على خلفية الشأن اللبناني بشكل يؤدي الى عرقلة عملية المصالحة مع السعودية وبداية مسار بناء الثقة مع الأميركيين. وأكثر من ذلك، يقول هؤلاء، ان سوريا تدرك أن القيادة السعودية ترفض تفسير انفتاحها على دمشق، من مصالحة ثنائية تهدف الى تنقية الأجواء العربية وتحقيق خطوة تعيد الاعتبار الى الشؤون والقضايا والمصالح القومية الكبرى، إلى إعطاء انطباع خاطئ بوجود وصاية سعودية ـ سورية على لبنان قد تدخله مجدداً في دوامة الوصاية التي أُسر فيها لسنوات طويلة. فالمملكة ملتزمة سياستها التقليدية تجاه لبنان، أي احترام سيادة واستقرار وخصوصيات هذا البلد وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

وأكثر من ذلك، بحسب المراقبين، ان عدم تشكيل حكومة في لبنان لا يشكل هاجساً للقيادة السورية، أو مكسباً لها بمقدار ما ترغب بعكس ذلك، أي وجود حكومة وفق شروط معينة.

إيران وتزاحم الأولويات

وبالعودة إلى الشأن الإيراني، فالذي يلاحظه المراقبون أن هناك تزاحماً في الملفات التي تبدو مآلاتها مفتوحة على أكثر من احتمال، فإلى الخوف من العقوبات النفطية التي لوّح بها المجتمع الدولي ـ وقيل إنها وراء الانعطافة الإيرانية الأخيرة ـ لما لها من تداعيات سلبية على بلد يعاني أزمات داخلية اقتصادية وسياسية كبيرة نظراً لارتفاع مستوى التضخم وتفاقم أزمة البطالة، ثمة مشكلة سياسية كبرى لم تخرج طهران من تأثيراتها وتتمثل بالشرخ الآخذ بالتعمق منذ ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة بين المؤسسة الدينية والأمنية الحاكمة من جهة والحراك الإصلاحي بجمهوره المتزايد من جهة أخرى.

أما في الملف النووي، فثمة "تحول" طرأ على الموقف الإيراني منذ الكشف عن المنشأة النووية قرب مدينة قم خلال وجود الرئيس محمود أحمدي نجاد في نيويورك، وإعلانه استعداد طهران قبول تفتيش فوري لها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثم الإعلان انها مستعدة لتسليم ما لديها من يورانيوم مخصب بدرجة منخفضة الى أي دولة تستطيع ان ترفع درجة تخصيبه لاستخدامه في الأبحاث العلمية. وهو العرض الذي يبقى مفتوحاً على النقاش مع أكثر من جهة دولية تمهيداً لحسم القرار بشأنه خلال اجتماع إيراني ـ دولي يعقد في الايام المقبلة. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن اجتماع جنيف الأول لم يقفل الأزمة الدولية ـ الإيرانية بمقدار ما نقلها إلى مرحلة جديدة قد تؤسس لتفاهم أو تأزم.

وفي موازاة ذلك، هناك من يربط هذا "التحول المفاجئ" بالزيارة "الغامضةٍ للوزير متكي الى واشنطن وما جرى خلالها، من دون أن يستبعد إنجاز صفقة لا تقتصر على إيجاد مخارج للملف النووي ـ الذي تعمل اجتماعات جنيف على بلورته ـ بمقدار ما ستشمل أيضاً قضايا وملفات أخرى تعتبر طهران نفسها شريكاً فيها.

للتذكير، قبل نحو شهر، أي في مطلع شهر ايلول الماضي، وفي ذروة التلويح الدولي بتشديد العقوبات على إيران على خلفية ملفها النووي، كان ردّ طهران "رزمة" من المقترحات تجاوزت الملف النووي لتعرض حلولاً لأزمات العالم في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين.. وصولاً الى البلقان وأميركا الجنوبية وشرق آسيا على قاعدة "تحقيق السلام والأمن والازدهار للعالم .. ومن أجل رفاهية وتقدم شعوب الأرض".

ماذا عن هذا العرض؟ في تقدير المراقبين أن هذا العرض إنما أكد "مقاولة" طهران بهذه الأزمات التي ساهمت بشكل أو بآخر في صنعها أو تعقيدها بهدف استثمارها، بأفق التوصل الى تسوية في ملفها النووي وبشأن الدور والموقع الاستراتيجي الذي تفترضه لنفسها على صعيد المنطقة. لكن ما هو أهم من ذلك أن العرض الإيراني، إذا ما قُرأ وفق "مفهوم المخالفة" حمل تهديداً مبطناً بأن هذه الأزمات أو بعضها يمكن أن يستمر أو يزداد تعقيداً في حال تعثرت التسوية بين طهران والأسرة الدولية.

أما ما يهم اللبنانيين من ذلك، فهو أن إيران لا تزال تدرج بلدهم في إطار ما تمتلكه من أوراق تفاوض، بما يعني أن لبنان سيبقى الى أجل غير معلوم أسير أجندة تفاوضها مع المجتمع الدولي، وأن لا فكاك له من هذه الكماشة إلا بعد إنجاز الصفقة الموعودة، والقراءة عينها تنطبق على احتمالات الانفجار والتأزم أيضاً.

العرب وتحدي الفراغ الاستراتيجي

وبعيداً عن الأزمة في لبنان، ماذا يهم العرب في موضوع الملف النووي الإيراني، خصوصاً بعد سيل التصريحات العربية التي أطلقت على هامش اجتماعات الأمم المتحدة الشهر الماضي والتي عكست تبايناً في الموقف بين مغرق في المخاوف وداعٍ إلى التفاهم بديلاً من التصادم، ومحذر من أن أي حرب في المنطقة سيدفع العرب ثمنها غالياً.

لقد أنفقت إيران، إلى جانب عملها الدؤوب منذ سنوات على تطوير برنامجيها الصاروخي والنووي، المليارات، تارة عبر دعم حركات معارضة عربية أو عبر حمل لواء القضايا العربية والإسلامية الكبرى كالقضية الفلسطينية ونصرة المحرومين ومواجهة الاستكبار العالمي المتمثل بالإمبريالية وأخواتها، تارة أخرى. وبمقدار ما يشكل النووي الإيراني نوعاً من توازن القوى الاستراتيجي لناحية الدفع بالاتجاه الذي يريده العرب، أي شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل، فإن للمسألة وجهاً آخر وهو أن هذا الملف يعطي إسرائيل مبررات التهرب من الدخول الجدي في عملية السلام تحت ذريعة أن السلاح النووي والصاروخي الإيراني يشكل تهديداً لأمنها بشكل مباشر، إلى جانب التهديد غير المباشر الذي يمثله الدعم الإيراني لحركات اسلامية.

فإذا كانت إيران تعمل وفق أجندة مصالحها الاستراتيجية، وهذا حقها، فإن ما يجري بكل احتمالاته يدفع العرب الى التفكير ملياً في مجابهة عدد من التحديات، تحدي منع التدخل في شؤونهم الداخلية أو استغلال قضاياهم الكبرى في إطار الصفقات أو المزايدات، وتحدي ملء الفراغ الاستراتيجي الهائل في منطقتهم، وتحدي جعل المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتحدي استعادة المبادرة في عملية السلام، وتحدي صون مصالحهم الوطنية والاستراتيجية على قاعدة المصلحة القومية والشراكة الفاعلة مع العالم. وقبل كل ذلك وبعده تحدي القول للإيرانيين ومفاوضيهم نحن أعلم منكم بمصالحنا ومصائرنا وحاضرنا ومستقبلنا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل