لا حكم للأكثرية النيابية بوجود مذهبية وبندقية
هل تنعكس نتائج القمة السعودية – السورية على شكل الحكومة ؟
عندما يدعو رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع رئيس الجمهورية الى تشكيل أي حكومة يعرضها عليه الرئيس المكلف اذا تعذر تشكيل حكومة ائتلافية، حتى لو كانت من الاكثرية فقط، فانه نسي ما قاله رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد "ان المطالبين بتشكيل حكومة من الاكثرية هم خارج التاريخ"، وما كان قد قاله قبل ذلك الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله لمن لا يريدون المقاومة "أن يحلوا عنها"… كما نسي ما نسب الى الرئيس سليمان نفسه، قوله انه لا يوقع مرسوم تشكيل حكومة لا تكون حكومة وحدة وطنية.
الواقع ان الاكثرية التي عادت أكثرية بعد انتخابات حزيران الماضي تواجه في تشكيل الحكومة ما واجهته قبل تلك الانتخابات بسبب شروط الاقلية التعجيزية والتي لا تزال تصر عليها حتى بعدما عادت أقلية. فلم تستطع الاكثرية بفعل هذه الشروط انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفها لعجزها عن تأمين نصاب الثلثين لجلسات الانتخاب، وعندما طلب منها انتخاب رئيس بنصف زائد واحداً أيد البعض ذلك فيما عارضه بعض آخر، وقد عزز موقف البطريرك الكاردينال صفير المعارض لمثل هذا الانتخاب رأي من يرى رأيه، فصرف النظر عن ذلك واستمرت أزمة الانتخابات الرئاسية من دون حل، حتى أنه لو تم انتخاب رئيس للجمهورية بنصف زائد واحداً لاعتبر رئيسا غير شرعي وغير ميثاقي لانه لم ينل أصوات الطائفة الشيعية التي يحتكرها تحالف "حزب الله" وحركة "أمل"، عدا ما كان لهذا الانتخاب أن يُحدثه من مضاعفات أمنية واضطرابات، كما تعذر التوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية بسبب الخلاف على توزيع المقاعد والحقائب بين الاكثرية والاقلية، فكانت أحداث 7 ايار التي فرضت عقد مؤتمر الدوحة وجاء الاتفاق فيه لمصلحة الاقلية على حساب الاكثرية.
ويبدو ان لا شيء تغير حتى الآن، فالاكثرية التي عادت أكثرية بعد الانتخابات تواجه ما واجهته مع الاقلية التي عادت أقلية بعد هذه الانتخابات، فهي تصر على أن يكون لها ثلث معطل ولو غير منظور في حكومة الوحدة الوطنية، وذلك باعتبارها الوزير الذي هو من حصة الرئيس سليمان من هذا الثلث، الامر الذي حدا بعض مَن في قوى 14 آذار الى اقتراح العودة الى التمثيل النسبي بين الاكثرية والاقلية وأن يكون الثلث المعطل واضحا وتتحمل الاقلية المعارضة مسؤولية اعتماده عند طرح المواضيع الاساسية على التصويت ولا يتهم رئيس الجمهورية انه صوّت الى جانب الاكثرية او الى جانب الاقلية بواسطة الوزراء المحسوبين عليه فيكون قد خرج عن حياده وعن عدم انحيازه الى هذا الطرف او ذاك.
الى ذلك، فان دعوة الدكتور جعجع الى تشكيل حكومة من الاكثرية هي أشبه بالدعوة سابقا الى انتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائد واحداً، والتي قوبلت بالويل والثبور وعظائم الامور باعتبارها مخالفة للدستور بحسب تفسير الاقلية، وهي الاقلية نفسها التي ستعتبر تشكيل حكومة من الاكثرية أو من لون واحد غير شرعية وغير ميثاقية لان الطائفة الشيعية الممثلة تمثيلا صحيحا بتحالف "حزب الله" وحركة "أمل" غير مشاركة فيها، أضف الى ذلك موقف النائب وليد جنبلاط المعارض لتشكيل مثل هذه الحكومة وكذلك الرئيس سليمان. فاذا كان النائب جنبلاط من المتحمسين سابقا لانتخاب رئيس للجمهورية بنصف زائد واحداً، ولام البطريرك صفير على موقفه المعارض، فان جنبلاط له الآن موقف آخر يخالف فيه موقف المطالبين بتشكيل حكومة من الاكثرية او من لون واحد ويقول انه لن يشارك فيها، فيجتمع عندئذ ضد تشكيلها موقف شيعي ودرزي شبه جامع. وقد يكون هذا ما عناه رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد مخاطبا المطالبين بتشكيل مثل هذه الحكومة بأنهم "خارج التاريخ".
الواقع أن الاكثرية التي كانت منقسمة حول انتخاب رئيس للجمهورية بالنصف زائد واحداً منقسمة الآن حول تشكيل حكومة من الاكثرية أو أي حكومة اذا تعذر تشكيل حكومة وحدة وطنية، إذ لا يجوز ولا يعقل ان تظل البلاد بلا حكومة لأن اقلية نيابية تصر على تشكيلها على هذا النحو وبشروطها.
وكما دامت أزمة الانتخابات الرئاسية أشهرا عدة ولم يتم الخروج منها الا بعقد مؤتمر الدوحة، فان أزمة تشكيل حكومة وحدة وطنية مر عليها حتى الآن أشهر عدة ايضا، ولا خروج منها الا ربما في انتظار نتائج القمة بين العاهل السعودي والرئيس السوري في دمشق. والسؤال الذي يثير قلق المعنيين هو: على حساب من سيتم تشكيل هذه الحكومة، هل سيتم على حساب بعض أركان قوى 14 آذار كما حصل في الدوحة، أم يتم لحساب مصلحة لبنان كلاً وعلى أساس لا غالب ولا مغلوب؟
لقد بات واضحا للجميع ان في استطاعة أي تحالف مذهبي يحذو حذو التحالف الشيعي، تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية وتعطيل تشكيل الحكومات اذا كان له شروط لم يؤخذ بها، لأن تشكيل أي حكومة من دون تمثيل مذهب واحد فيها يجعلها حكومة غير شرعية او غير ميثاقية. وهذا ما جعل الرئيس سليمان يعلن انه لن يوقع مرسوم تشكيل حكومة تعتبر غير شرعية وغير ميثاقية، وهو ما جعل الاقلية المعارضة تتمسك بشروطها ومطالبها، بما فيها توزير جبران باسيل، ولو كان راسبا في الانتخابات، والا امتنعت عن المشاركة فيها فيتعذّر عندئذ تشكيل أي حكومة يطالب الدكتور جعجع بتشكيلها لمنع استمرار الفراغ الحكومي الذي استطاعت الاقلية المعارضة إحداثه حتى بعد الانتخابات، فكما استطاعت إحداث فراغ رئاسي تستطيع احداث فراغ حكومي… وهذا الوضع الشاذ لا سبيل للخروج منه الا بالاتفاق على صيغة نظام جديد ودستور جديد، وهي صيغة قد لا يصير اتفاق عليها بين فئة مسلحة تستطيع فرض رأيها وفئة غير مسلحة تستطيع ان ترفض ولكنها لا تستطيع أن تفرض…