بوسطة عين الرمانة لم تكن بداية الحرب
الكل متفق ان جريمة عين الرمانة هي نتيجة لاشكال فردي، ولا خلفية سياسية لها، وهذا موقف طيّب ومريح ويصبّ في طاحونة المحافظة على العيش المشترك، انما الخلاف الكبير الخطير، هو المقاربة المختلفة لاسباب هذه الجريمة ونتائجها بين الافرقاء المعنيين مباشرة بمنطقتي الشياح وعين الرمانة، والشارع «النفسي» والعملي الفاصل بينهما منذ زمن طويل.
وبالتالي فان ردود الفعل التي صدرت عن عدد من النواب والقياديين في تكتل الاكثرية، وعن رؤساء ومخاتير وفاعليات بعض البلدات المحيطة بعين الرمانة، اثر معرفتهم بحصول الجريمة، لم تتهم طرفاً معيّناً بالوقوف وراء ما حدث، بقدر ما رفعت الصوت مستنكرة عمليات الغزو الدائمة بواسطة الدرّاجات النارية، لمنطقة عين الرمانة وفرن الشباك والحازمية والاشرفية، وسقوط العديدمن القتلى والجرحى، وتضرر السيارات والمحال والمنازل، وطالبوا القوى الشرعية بحمايتهم وحماية مناطقهم، لأنهم طلّقوا الحماية الذاتية واسلموا امرهم الى الدولة، مع كامل معرفتهم بضعفها وتقصيرها، وكان مستغرباً، بل معيباً، ان تكون ردود الفعل التي صدرت عن قيادة التيار الوطني الحر الذي ينتمي اليه المغدور المرحوم الشاب جورج ابي ماضي، وعن بعض نواب التيار، وعن حركتي «أمل» و«حزب الله» وبعض نوابهما، قد اخذت منحى ليست بحجم جريمة قتل انسان، حرّم الله قتله في جميع اديانه، حتى ولو كان مجرماً، فكيف اذا كان مثل جورج، لا علاقة له بالاشكال، انما قتلوه لأنه ابن عين الرمانة، ومن طائفة اخرى، اضافة الى أن ردود الفعل لم تكن ايضاً بمستوى المتهيّب من وقوع مثل هذه الجرائم في منطقة يبدو ان جرح العداء والكراهية لم يلتئم بعد بين ابنائها المتعددي الطوائف والمذاهب، لأن الاشكال الفردي الذي حكي عنه وسبق الجريمة لا يمكن ان يستدعي قيام عشرة شبان او اكثر يركبون الدرّاجات النارية يواكبهم لنصرتهم اكثر من 60 شابا يتسلحون بالسكاكين والخناجر وقضبان الحديد، بهذه الغزوة الجاهلية في منتصف الليل الى منطقة، يغطّ اهلها في نومهم.
* * * * * *
صحيح ان المغدور المرحوم جورج ابو ماضي هو ناشط في التيار الوطني الحر، ومن حق التيار ومن حق اهل المغدور ان يأخذوا الموقف الذي يناسبهم، ولكن على التيار، وغير التيار، ان يعرفوا ان عين الرمانة ليست مركزاً للتيار ولا ملكية له او لغيره، ولذلك ليس من حقه ان يعطي دروساً لأبناء قلعة الصمود بكيفية حماية منطقتهم واهلهم وحرياتهم، وطالما ان القوى الفاعلة على الارض في مناطق الضاحية الجنوبية، لا يريدون او لا يقدرون على ردع الغزوات المسلّحة ضد المناطق التي ترفع العلم اللبناني ولواء الدولة، فان حماية الارض والعرض والحرية تصبح تكليفاً شرعياً لأبناء عين الرمانة واي منطقة اخرى تواجه ما تواجهه هي.
كان من المنتظر او المفترض ان يبدأ بيان حركة امل وحزب الله حول جريمة عين الرمانة، بالاعتذار من اهل هذه المنطقة التي وضعت الحرب وراءها ودخلت الى السلم الاهلي بكامل وعيها وارادتها.
وليس بعبارات الادانة والاستنكار الروتينية، وصبّ جام غضبهما على خصومهما السياسيين وتسخيف ما حدث، ومحاولة تضييع المسؤوليات والمسؤولين عن هذه الجريمة، وهل هم من الشياح او برج البراجنة، وهذا ليس تصرّف من يريد فعلاً احقاق الحق ونزع فتائل الفتنة، وكان يكفي لتهدأ الخواطر ويزول الاحتقان التمثّل بموقف الرئيس المكلّف سعد الحريري يوم غزوة الاشرفية على يد عصابة من الارهابيين المتعصبين الموتورين، حين اصدر بيان اعتذار وحبّ واحترام «لاهلنا في الاشرفية» على الرغم من مواقف الاستثمار السياسي التي وقفها يومها التيار الوطني الحر وجميع افرقاء تكتل 8 آذار، وما زالوا في كل مناسبة يذكرون بها وبغيرها، ليس حباً باهل الاشرفية ونصرة لهم، بل للنيل من خصومهم المسيحيين والمسلمين على السواء، فهل يحق لهم بعد كل هذا ان يرفعوا صوتهم واصبعهم «ويمنعوا» غيرهم من استثمار ما حدث في عين الرمانة، على الرغم من ان احداً لم يستثمر كما استثمروا هم سابقا.
ان بوسطة عين الرمانة يا سيدي الجنرال، لم تكن بداية الحرب، بل كانت شرارتها، لان الحرب على لبنان – وانت اعلم الناس بذلك – بدأت في العام 1969 عندما تجرأ الفلسطيني على الجيش وقوى الامن والناس، وانفجرت في شكل اوسع في العام 1973، وكانت بوسطة عين الرمانة نقطة الدم التي طفحت من اجساد الشهداء الابرياء الذين كانوا يتعرّضون لما تعرّض له المغدور جورج الذي ولد في اثناء الحرب، حيث كان شهداء عين الرمانة قد تعدّوا المئات دفاعاً عن وجودهم وحرياتهم وتراث كنيستهم، وقد تتكرر المأساة، اذا استمر التعامل مع ما يحدث في هذه المنطقة، بمثل الخفّة والكيدية واللامبالاة التي تمارس اليوم من بعض القيادات، واذا لم تحزم الدولة امرها وتتذكر ما حدث لها في العام 1973.
رحم الله جورج ابي ماضي، شهيداً في في قافلة شهداء عين الرمانة.