انطلاقاً من لبنان
من الطبيعي أن يكون لبنان في مقدَّم المراهنين على قمة الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس بشَّار الأسد، وأن يتوقّع اللبنانيّون والعرب من هذه القمة الكثير من الايجابيّات المشجعة، على مختلف الصعد وبالنسبة الى القضايا المتأججة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق.
ومن المحيط الهادر الى الخليج الثائر.
ثم على جبهة العلاقات العربيّة – العربيَّة التي لم تعرف الاستقرار والتعاون، جماعياً أو ثنائياً، إلا في النادر من الوقفات والاوقات، ومنذ زمن يُقاس بالعقود لا بالسنين.
وعلى سن الرمح.
قد ترسي هذه القمة، التي انتهت أمس، بعض القواعد والتفاهمات التي يُبنى على أساسها وانطلاقاً منها مناخ عربي جديد، يعيد الى الموقف العربي دوره المفقود، ويعيد الى العالم العربي تضامنه الفعَّال، ويعيد الى القضايا العربيَّة التي تشكو من اليتم والعزلة مَنْ يحتضنها ويذود عنها.
أو يكفكف دمعها إن أمحلت…
ولكن، ليس غداً، وليس بمثل لمح البصر. إنما يكفي أن تتبدَّى بعض الملامح والمؤشّرات التي من شأنها أن تجعل العرب يميلون الى التفاؤل بمتغيّرات ولو متواضعة، ويطلٍّقون هذا الضيف الثقيل المقيم في ديارهم بلا هوادة، والذي يدعى اليأس.
لا وقت، ولا مكان للبحث عن الأسباب والعوامل التي أودت بالعالم العربي الى هذا التفتُّت والتشرذم، بعد أزمنة من الأحلام الوحدويَّة، وبعد تلك الأناشيد والقصائد والأغاني والأعراس التي لم تصمد حتى الفجر.
ولا وقت للمراجعة الآن، ولا للتأنيب، أو المعاتبة، أو توزيع المسؤوليات والاتهامات.
لندع ذلك كله جانباً في هذه المرحلة المصيرية، وربما في هذه الفرصة أو السانحة التي قد تكون الأخيرة، ما دامت اسرائيل قد دخلت بجحافلها الى القدس الشرقيَّة، ومدَّت ذراعها العسكرية في اتجاه الضفة الغربيَّة. وعلى مرأى ومسمع من المجتمع الدولي والشرعيَّة الدولية.
ولنبدأ من مكان ما، من قضية ما.
قد يكون لبنان أفضل محطة لهذه البداية. والنجاح في معالجة أورام هذا البلد الذي يعكس بتمزقه وتشرذمه واقع العرب وحالهم وحاضرهم، والذي لا تحتاج معالجته الى أكثر من اعطائه الاذن أو الأمر بتأليف حكومته، كجرعة أولى لحالة مستعجلة.
ثم رفع يد المداخلات عنه وعن شؤونه وشجونه.
ثم الالتفات الى التضامن، والعلاقات، والازمات، والمشكلات، والأمراض التي تفتك بهذا العالم الذي لا يعرف من أهله، أو من اصدقائه، أو من اعدائه، أي شيء عن أسباب خلافاته وعداواته.
أجل من لبنان، من الساحة التي أهلكتها الصراعات العربيَّة – العربيَّة، والتي من خلالها تسلَّلت اسرائيل، وعَبْرها مرَّت ايران، وعلى هامشها حضر التنافس بين الدول الكبرى.
ومَنْ يدري مَنْ يعبر ويتسلل غداً.
فمساعدة لبنان تؤدّي حالاً وسريعاً الى مساعدة الوضع الفلسطيني، الذي يقترب يوماً بعد يوم من تدهور لا يُحسد عليه الفلسطينيون، ولا تُحسد عليه القضيَّة التي كانت سابقاً قضية العرب الاولى.
ومن أجلها هتفنا وغنّينا أمجاد يا عرب أمجاد، ولم نلبث أن ندمنا على ضياع العمر وضياع الحلم وضياع الأرض وضياع الامجاد.
بعودة التضامن، وعودة الصحة والصحوة الى العلاقات العربيَّة، قد نستطيع ان ننقذ لبنان والقدس، على الأقل.