أزمة درّاجات أو أزمة دويلة ؟
ما كان اللبنانيون في حاجة الى سقوط ضحية جديدة غدرا لتذكيرهم بحجم الازمة التي تسكن الوطن. فلا الازمة حكومية بالمعنى التقني، ولا هي تقتصر على ادعاء محاربة الفساد لتحويل الانظار عن الفساد الاكبر، ولا هي أزمة عدة وعديد و عتاد في المؤسسات والاسلاك العسكرية، ولا هي أزمة دراجات نارية تجوب الطرق والشوارع والاحياء مكررة الاعتداء على المواطنين الآمنين داخل أحيائهم. من هنا فإن قرار وزير الداخلية الشاب زياد بارود إطلاق حملة لمنع تجول الدراجات النارية ليلا والتشدد في تطبيق المنع، و إن يكن خطوة مطلوبة، فإنها خطوة تقنية تعتمد لمعالجة أزمة عميقة هي أزمة الدويلة المعششة في قلب الدولة والوطن. والدويلة المذكورة تتوسع على حساب الدولة الجامعة، وتقيم قوانينها الخاصة ونمط عيشها الخاص، فتؤسس لازدواجية التعامل مع القانون، فلا قانون فوق رأس الدويلة، فيما تواصل هذه التنعم بمكاسب الدولة. ولا خضوع للقانون فيما تقوم شريعة اللادولة و اللاوطن والتقوقع داخل منظومة عازلة عن الآخر و احيانا كثيرة نابذة له.
بالامس سقط ابن الفريديس الشوفية المغدور جورج ابو ماضي بطعنات سكين. كان يمكن ان يسقط مواطن آخر. لم تر السكاكين ولا أصحابها فارقا بين جورج ابو ماضي وغيره. ففي الغزوات لا يعود الشخص ذا أهمية، بل الجغرافيا. كانت مجرد غزوة حي من أحياء المدينة، وعاد بعدها عشرات الدراجين الى "مضاربهم" سالمين!
تحركت الاجهزة والقضاء، ورفع الثنائي المهيمن على الدويلة الغطاء على الغزاة الذين أوقف عدد ضئيل منهم (لم يُعرف ان كان القاتل بينهم)، وسرعان ما سيحالون على المحاكم للحكم عليهم بجنح صغيرة، ويعودون من بعدها الى دراجاتهم وعصيهم وسكاكينهم وربما الى أسلحتهم متى صدرت الاوامر ! وكما حصل مع المسلح الذي اغتال النقيب الطيار سامر حنا لن يبقى احد في عهدة القانون ولا تحت سيفه. وفي الاثناء، تكون التدابير الامنية القاضية بمنع الدراجات ليلا قد تلاشت، كما تلاشت كل التدابير التي سبقت منذ ان قررت فئة الخروج على القانون والدولة ومشروع الاستقلال في البلد، فرفعت السلاح في وجه غالبية مسالمة في البلد وغزت قراهم ومدنهم وأحياءهم…
إن ما حصل في أحياء عين الرمانة سبق ان حصل مرارا في احياء بيروت المدينة، ويمكن ان يتكرر في أي وقت، في كل مكان من لبنان من البقاع الى الشمال، لأن الدويلة الفئوية المسلحة تتوسع في حين ان الدولة الجامعة الراعية للبنانيين تتقلص الى حد التلاشي. وبعد هذا كله، هل نعجب إذا ما قيل لنا إن جورج ابو ماضي ما كان الاول ولن يكون الاخير ضحية مسلسل الغزاة والغزوات؟ وهل نعجب ايضا إذا ما سمعنا في مآتم الابرياء المغدورين من سامر حنا الى لطفي زين الدين وجورج أبو ماضي والعشرات غيرهم كلاما على الامن الذاتي بديلا للدولة التي لا تحمي أبناءها؟
خلاصة القول إن أزمة بعمق تلك التي تتسبب بها الدويلة الفئوية لا تعالج بتدابير سير مشددة.
