التفّ على نتائج الانتخابات ثم على صيغة 15-10-5 فكيف يتعامل الآن مع "التقارب الإقليمي"؟
العقل المعطّل: تعليق المؤسّسات هو القاعدة وعملها الاستثناء
هل ثمّة طرف يعطّل تشكيل الحكومة لأنّه متضرّر من تشكيلة بعينها أو من شكل إدارة معيّن لهذه التشكيلة أم أنّ هناك طرف يعطّل هذا التشكيل لأنّه متضرّر من أي تشكيلة تأخذ ولو بشكل جزئيّ بنتائج الإنتخابات النيابيّة، وبشكل أساسيّ بروحيّة هذه النتائج بما تمثّله من دخول آخر مشروع هيمنيّ مذهبيّ على البلد لحظة فشله التاريخيّ؟
إلى الحين، ثمّة إدراك لهويّة الطرف المعطّل تشكيل الحكومة، أي لهويّة الطرف الأصيل وراء هذا التعطيل، ويجري الإستدلال على ذلك من خلال التهافت المنطقيّ لكل الحجج التي تساق تبريراً لهذا التعطيل، كما من خلال التهافت المنطقيّ للموقع الذي يظهر نفسه على أنّه الداعية الأوّل للتعطيل في حين أنّه حقيقة يعطّل بالوكالة عن حليف له.
لكن ما لا يجد من جواب شاف إلى الحين فهو عن سبب التعطيل بالفعل. ثمّة شيء لا يزال مبهماً على هذا الصعيد. هل من يعطّل، بالأصالة لا بالوكالة، يعطّل لتحسين شروطه في التشكيل الحكوميّ؟ أم أنّه يعطّل لقناعته بأنّ أي حكومة بعد الإنتخابات داخلياً، وفي مرحلة تتمحور حول الملفين النووي الإيرانيّ والتفاوضيّ الإيراني الغربيّ، سوف لن تخدم مراده؟
هل يعطّل من يعطّل قناعة منه بأنّ التعطيل هو أفضل شكل لتفجير الأزمة الداخلية على نطاق واسع إن كان ذلك عين المطلوب؟ أمّ أنّه يعطّل لقناعة معاكسة وهي أنّ التعطيل يجعل كلّ شيء معطّلاً بما في ذلك حدّة الإصطدام السياسيّ و"الاحتكاك" الأمنيّ؟
إلى الحين انصرفنا إلى جمع الشواهد على التعطيل، واستقاء الأسانيد وتدعيمها حول هوية الطرف المعطّل، والتمييز بين المعطّل بالأصالة والمعطّل بالوكالة، وإلى الحين أسرفنا في توجيه الأسئلة إلى المعطّل، عن "إلى أين؟" و"ماذا بعد؟" و"ألم يحن وقت العدول عن التعطيل؟" وما شاكل. إلا أنّ ما لم يجر طرحه حتى الآن، هو بكل بساطة، لماذا التعطيل، وما الذي يكشفه التعطيل من إشكالية مركزية لدى الطرف الذي يمارسه، أو بمعنى آخر بأي ذهنية يمارس هذا التعطيل، ونكاد نسأل: ما هو العقل المعطّل؟!
ونكاد نقول إنّه بالنسبة إلى هذا "العقل المعطّل" فإنّ التعطيل هو الحالة التي يرتاح إليها سلباً أو إيجاباً، بمعنى أنّ أمرين يستقيمان لديه: تعطيل المؤسسات الدستوريّة قد يعطيه أحياناً الفرصة للتحكّم بالحدّة السياسيّة وبالتداعيات الأمنيّة بالشكل الذي يضمن له أقصى درجة ممكنة من الراحتين السياسيّة والأمنية، كما أن تعطيل المؤسسات الدستوريّة يمكن أن يدفع في أحيان أخرى إلى إستهداف عمق النظام السياسيّ القائم، والتلويح بشكل أو بآخر بأنّ نظاماً بديلاً آت على الطريق..
بمعنى آخر، يرى "العقل المعطّل" أن تعطيل المؤسسات الدستوريّة ينبغي أن يكون هو القاعدة وما دام "التوافق المطلق" على كل شيء هو القاعدة وما كان تفسير كل شيء بضرورات "الصراعات الإقليميّة" هو وراء كل قاعدة. أمّا قيام هذه المؤسسات أو إشتغالها فينبغي أن يحصر في دائرة "الإستثناء". وفي هذا الإطار تصير الإنتخابات النيابية "استثناء" لا يلزم بعده أن تقوم "حكومة"، لأنّه بعد استثناء الإنتخابات النيابية نعود إلى القاعدة، والقاعدة هي عدم قيام المؤسسات الدستورية ما لم يحصل "التوافق المطلق".
وحتى إذا تأمّن توافق داخليّ من شأنه تيسير عملية التأليف، مثل الإتفاق على صيغة 15-10-5 التي وصفها خطباء "حزب الله" بالتحديد بأنّها "إبداعية"، فإن ذلك يعدّ "إستثناء" بدوره، وبعده نعود إلى القاعدة التي هي عدم إعتباره كافياً للأخذ به، والنتيجة عدم قيام الحكومة في لحظة اعتقدناها قاب قوسين أو أدنى.
.. ثم عندما يتأمّن نوع من التقارب الإقليميّ كـ"استثناء" خارجيّ من شأنّه التعجيل بقيام الحكومة فإنّ "العقل المعطّل" نفسه يعود ليجنح باتجاه أصالة التعطيل ومركزيّته و"اعتباريّة" استئناف العمل المؤسّسي أو ثانويّته.
الأزمة متجذّرة إذاً وتتناول ذهنيّة التعطيل، أي "العقل المعطّل"، من حيث هو عقل يعتبر تعطيل المؤسسات وتعطيل عملها هو القاعدة في حين أنّ قيامها وحسن سير عملها هو الاستثناء.