#adsense

“العثمانيون”… وسياسة الأروقة !

حجم الخط

"العثمانيون"… وسياسة الأروقة !

مع مطلع أسبوع نسجت حوله من خارج وداخل كل تباشير الحسم والنهايات السعيدة الموعودة للولادة الحكومية التي طال انتظارها الى حد الملل، لا بد من معاينة مفارقتين على أمل ان تكونا آخر حبّات العنقود في مسلسل هذه الازمة المفتوحة.

المفارقة الاولى تتصل بالشكل الخارجي او "بالحاضنة" الاقليمية – العربية التي يبدو انها تشكلت لرسم وظيفة التسوية الحكومية الداخلية واسقاطها على اطار خارجي، تماما كما يسبق عادة كل استحقاق لبناني مفصلي. يثبت ذلك التطور المفاجىء الذي تمثل في "النبوءة" التركية هذه المرة باقتراب الولادة الحكومية بعد يومين فقط من القمة السعودية – السورية، كأن "التقليد" القديم في هبوط "كلمة السر" حيال المولود السعيد، رئاسيا كان أم حكوميا أم سوى سوى، انتقل الى لاعب اقليمي محوري غير سوريا، وأعاد مع لحظة متغيرات عجيبة غريبة "العثمانيين الجدد" الى المشهد اللبناني من بعيد. معنى ذلك في الاطار الابعد من نبوءة رجب طيب أردوغان، أن طموحات الوساطة التركية في عملية السلام مع كل أسرارها وامتداداتها سوريا واسرائيليا ودوليا تحاول اعطاء الولادة الحكومية العتيدة مذاقا لم يكن في بال أي لاعب محلي. وربما فسر ذلك في طالع الايام أسرارا أخرى في أزمة الولادة المتعثرة الطويلة. ولعل الولادة، ان تمت، ستحمل بدورها أجوبة كثيرة حيال "كونسورسيوم" اقليمي وعربي ودولي لم يكن لبنان بعيدا عنه بل في صلب ما جرى ويجري التخطيط له.

أما المفارقة الثانية فداخلية صرفة وحان الوقت "للإلحاح" في طلب المعرفة وكشف النقاب عن صندوقها المقفل. فقد بات في حكم المؤكد وباعترافات مثبتة لذوي الشأن، ان حوارات شبه تأسيسية، وذات طابع مهم واستثنائي، دارت طوال الاشهر الاخيرة، خصوصا في مرحلة التكليف الثاني في الخلوات والكواليس والمشاورات عبر سياسة الاروقة والقنوات السرية. قيل في هذه الحوارات الكثير الكثير من التمجيد لهذا التطور، وسال حبر مدرار في نفي طابع "ملء الفراغ" او تقطيع الوقت عنها. وبلغ الأمر حد الحديث عن تعاقد سياسي جديد او تفاهمات ذات بعد تغييري ستكون في أساس البيان الوزاري الذي سبقت ولادته النظرية والمبدئية الولادة الحكومية الاجرائية العالقة على توزيع الحقائب والاسماء.

بعد أكثر من أربعة أشهر لأزمة بدأت تتكشف عن مستوى مرموق من الاسرار الخارجية والداخلية، لم يعد جائزا تجاهل ما قد يكون شكّل قاعدة لتعاقد سياسي جديد أو شبه "مؤتمر تأسيسي" مزعوم، اذا صحت فيه نعوت من هذا الحجم يتطوع سياسيون وزعماء على ضفتي الصراع السياسي على اطلاقها. وحتى لو كان "الشعب اللبناني" بمفهوم مبدئي على الاقل، متسامحا مع زعمائه ومسؤوليه وأحزابه و"ملوك" طوائفه الى حد اهمال أقل حقوقه البديهية في المعرفة، فان ذلك لا يمحض هؤلاء الحق في ادارة الظهر عن أربعة أشهر شهدت ما شهدته في عالم "الكولسة" وسياسة الاروقة والاكتفاء بالانجاز الآتي عبر الولادة الحكومية وسط طبل وزمر وقلب الصفحة.

لم يعان بلد في العالم ما عانى منه لبنان من تستر السياسة والسياسيين فيه وراء مبدأ "سرية المداولات" الذي غالبا ما كان ولا يزال يبطن ستارا للصفقات أو الاخطاء القاتلة، فضلا عن الاستهانة التامة بما يسمى رأيا عاما. منذ اتفاق القاهرة المشؤوم في نهاية الستينات من القرن الماضي، الى اتفاق الدوحة "المحمود" الذي ضرب بأفضاله العميمة النظام الديموقراطي السوي، وسرية المداولات تأكل مشروع الدولة وتقوضه. حتى اتفاق الطائف نفسه، دستور البلاد الحالي "نظريا"، لا يزال "الغموض البناء" في الاجتهادات المتضاربة حياله الجزء الجوهري في اقامة شبكة الازمات السياسية المتناسلة في البلاد كلما خطر لطرف صاعد او فريق معطل ان يخنق دورة المؤسسات ويشلها عن المضي في طرق الاستقرار.
فهل يتفضل أكارم "المنقذين" للبنانيين غدا، بعد أربعة أشهر من التباري في مبارزة الغموض والاسرار ببعض مما جادت به أفضالهم على "الشعب" في رسم مصيره البائس وسط ملهاة تطوع "حكامنا" التاريخيون العثمانيون في كشف كلمة سرها النهائية؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل