مفاعيل القمة… على ساحة الاختبار اللبنانية!
اللقاء التاريخي بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد لم يكن مجرّد قمّة ثنائية، ولا كان <قمة لبنانية>، ولم يكن <قمة فلسطينية>، ولا هو في الواقع <قمة عراقية> أو حتى <يمنية>، بقدر ما كان بمستوى قمّة عربية مصغرة، شملت نقاشاتها كل القضايا والملفات العربية الساخنة، وهيّأت الأجواء المناسبة لإعادة الروح الى العمل العربي المشترك.
وتاريخية هذه القمة تكمن في كونها كانت محطة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ العمل العربي المشترك، طوت مرحلة الخلافات والتصدعات التي عطلت فعالية النظام العربي، وشرّعت الأبواب امام تدخلات أطراف غير عربية لملء هذا الفراغ الرهيب في العالم العربي، وفتحت القمة الآفاق من جديد امام مرحلة واعدة للعمل العربي المشترك، لاستعادة سياسة التضامن العربي، وإرساء قواعد التفاهم على موقف عربي موحد من التحديات والاخطار والاستحقاقات الداهمة للمنطقة العربية دولاً وشعوباً.
طبعاً لن تظهر كل نتائج القمة السعودية – السورية الناجحة دفعة واحدة، وبكبسة واحدة، وفي ساعة واحدة، ولكن الانعكاسات الإيجابية والحاسمة لهذه القمة ستبدأ بالظهور تباعاً في مناطق الاضطراب وعدم الاستقرار التي يُعاني منها الجسم العربي، ومن المرجح أن يكون الوضع اللبناني بالذات، أوّل المستفيدين من تفاهمات الملك عبد الله والرئيس الأسد، التي قضت بضرورة التصدي للأخطار التي تُهدّد الوطن العربي، وبالتأكيد على وحدة وأمن واستقرار كل من لبنان والعراق واليمن، وبضرورة تضافر الجهود العربية والاسلامية لوقف الاعتداءات المستمرة على الشعب الفلسطيني، وإنقاذ المسجد الأقصى والتصدي للإجراءات الإسرائيلية الرامية لتهويد القدس الشريف.
* * *
كيف يستفيد الوضع اللبناني من النتائج الإيجابية للقمة السعودية – السورية؟ لقد حمل اتصال الرئيس السوري بشار الأسد بنظيره اللبناني المؤشرات الأولى لتطورات إيجابية مرجَحة على صعيد الأزمة الحكومية، خاصة وان المعلومات الرئاسية عن فحوى المحادثة الهاتفية اشارت بوضوح إلى أن لبنان احتل حيزاً مهماً من المحادثات التي أكّد فيها الطرفان السوري والسعودي <على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية لوضع حدّ لأي محاولة تعكير سياسي وأمني>.
ولكن هل يكفي الانتظار على رصيف الحكومة لنتائج التفاهمات العربية حتى تعبر الأزمة من مراوحة التكليف الى حسم التأليف؟.
لا شك في أن تنقية الأجواء العربية، وعودة مسيرة التعاون بين الرياض ودمشق، على أمل أن تنضم لهما لاحقاً القاهرة، يساعد اللبنانيين على تخطي الكثير من العقد والصعوبات التي اعترضت تأليف الحكومة العتيدة، لا سيما وان طرفي الاكثرية والاقلية التقيا في اكثر من محطة، على اعتبار العقد خارجية اكثر مما هي داخلية، وبالتالي، فإن الضوء الاخضر العربي الصادر عن قمة دمشق يفترض به أن يُسهل فعلاً الخروج من المخاض الحكومي المتعثر، وفتح صفحة جديدة بين الاطراف اللبنانية، تتجاوز الانقسامات التي تكرست في اطاري 14 و8 آذار، وتجسد حالة التقارب العربي – العربي، خاصة بين المملكة العربية السعودية وسوريا.
واذا لم يسارع اهل الحل والربط في لبنان الى الاستفادة من تنقية الاجواء العربية، وما تسفر عنه من تفاهمات، والتقاط اللحظة المناسبة لتشكيل حكومة متوازنة ومنسجمة ولو على قاعدة <وفاق الحد الادنى>، قد تضيع على الوطن المعذب فرصة ذهبية اخرى لاستعادة امنه واستقراره، والانطلاق في اعادة بناء دولة المؤسسات، ونفض الغبار عن مخططات الاصلاح والتطوير والتحديث النائمة في خبايا الخلافات السياسية القاتلة!
لقد دقت ساعة التسويات ولا تسويات دون تقديم تنازلات! والتحدي الاول الذي يواجه الاطراف السياسية اللبنانية في هذه اللحظة هو قدرتها على تقديم التنازلات الكافية للالتقاء على نقطة الوسط التي تتيح اخراج الحكومة من غياهب الشروط التعجيزية، والمطالب الانانية والشخصية.
وتبقى صيغة <لا غالب ولا مغلوب> هي المعيار الحقيقي لنجاح القيادات المعنية على التلاقي حول المصلحة الوطنية اولا، وعلى ضرورات تحصين الوضع الداخلي ضد الفتن والمخططات العبثية الاخرى التي تخدم مصالح اصحابها على حساب أمن واستقرار اللبنانيين، وذلك على نحو ما حصل في الاسبوع الماضي بين الشياح وعين الرمانة، وما كاد ان يحصل بين التبانة وجبل محسن في طرابلس.
***
ولم يعد خافياً على أحد أن ثمة دولاً إقليمية وغير إقليمية متضررة من التقارب الاستراتيجي المستجد بين الرياض ودمشق، خاصة على مستوى معادلة (إ-أ) التي طرحناها الاثنين الماضي، والتي تختصر الاشارة الى إيران وأميركا.
وإذا تركنا الموقف الأميركي، على عواهنه، لقنوات ديبلوماسية ناشطة على معالجته، فإن الالتباس الحقيقي يبقى في الموقف الايراني، حيث صدرت اشارات غير مباشرة، اي في معظم الاحيان بالواسطة، تدل على عدم ارتياح طهران للتقارب السعودي – السوري، في وقت يشتد فيه الاشتباك الإيراني مع السعودية في اكثر من موقع في المنطقة، ويبلغ اشدّه في حرب صعدة اليمنية.
والسؤال الذي يشغل البال العربي هذه الأيام:
هل تستطيع إيران ان تعطل مفاعيل التفاهم السعودي – السوري؟
قد يكون لبنان هو ساحة للاختبار الأولى لنجاح هذا التفاهم على تخطي العقبة الايرانية، لان تشكيل الحكومة اللبنانية يبقى اكثر الاستحقاقات اقتراباً من الانجاز لمصلحة الوضع العربي الجديد، بعد التعثر المتكرر المحيط بالمصالحة الفلسطينية!
فهل تستطيع طهران الاستمرار بتعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية، وتبعث من لبنان بأولى الرسائل الاعتراضية على القمة السعودية – السورية؟
هذا ما ستكشفه نتائج الاتصالات في الايام القليلة المقبلة.