#adsense

نقاط على حروف الحقيقة

حجم الخط

نقاط على حروف الحقيقة
المحامي جورج ابو صعب

اما وعملية تشكيل الحكومة تراوح مكانها في ظل معطيات تؤكد اكثر فاكثر عمق الانقسامات بين اللبنانيين وتداخل الداخل بالخارج والخارج بالداخل – يبقى ان ثمة سقوفا مبدئية لا نرى امكانية تجاوزها لا حاضرا ولا مستقبلا وابرزها :

اولا : من المؤسف حقا ان يرتضي بعض اللبنانيين اخضاع نفسه لتأثيرات الخارج وتسليمه بهذه التأثيرات وبما لها وعليها على الساحة اللبنانية – لدرجة انه قد يحشر انفه فيما يحصل في هذا الخارج دون ان يكون الخارج في وارد التفكير حتى فيه او بموضوعه. فهذه الظاهرة من اخطر واسوأ معالم الارتهان الخارجي لدى البعض ومن اسوأ الاثباتات والادلة على فقدان البعض لمناعتهم الوطنية وقناعاتهم السيادية – وتسليمهم لا بل استسلامهم لفكرة ان لبنان فاقد لسيادته وهو ينتظر دائما ما يطبخ له في اروقة الدول الاقليمية والدولية ليقرر تشكيل حكومة وربما غدا تعيين موظف او حاجب في وزارة او مؤسسة عامة .

فهؤلاء سواء اكانوا اصدقاء او حلفاء او خصوما سياسيين يمثلون ابشع واجهة لتعزيز النفوذ الخارجي على حساب لبنان ومصالحه العليا ويمثلون بالتالي اسوأ اسلوب في التسليم بتأثيرات الخارج على لبنان واوضاعه سواء كان هذا الخارج صديقا او شقيقا او حليفا او خصما – فلو ان البعض ممن يمتهن اتهام الاخرين بالتبعية للخارج ينظر الى نفسه والى مدى انغماسه حتى اذنيه في التبعية للخارج ايضا لكنا بدأنا من هذه النقطة معالجة مشكلة التبعيات والتأثيرات المتبادلة بين الخارجا والداخل. فمع كل الاحترام والمحبة والتقدير للقريب والبعيد نرفض مبدأ انتظار ما يقرره سين – سين او أ – سين او أ – أ- م او سواها من معادلات ابجدية متداولة في لغة ومصطلحات بعض السياسيين اللبنانيين والذين من بينهم رؤساء سلطات دستورية عليا في البلاد مفترض بهم رفض الواقع التبعي على افتراض توافره او وجوده في الواقع. وهم يرتضون لانفسهم شعار الالصاق بالغير بدل المبادرة الى القيام بخطوة استقلالية دستورية وطنية جامعة تنقلهم من الاصطفاف الاعمى للطائفة على صوابه وخطأه، الى مرحلة الاصطفاف لمصلحة لبنان – كل لبنان – بما يليق برجال دولة حقيقيين وتاريخيين يذكرهم التاريخ على انهم كانوا بحجم الوطن لا بحجم الطائفة او المذهب .

بتنا نستحي ببعض مسؤوليننا في هذا البلد – لانهم ارتضوا الارتهان والتبعية والاقرار بها دون عيب ولا وجل ولا خجل – فهؤلاء لا يمكن ان يبنى معهم وطن سيد وحر ومستقل ولا يمكن ان تبنى معهم تفاهمات او صيغ لانهم لا يملكون قراراتهم ولا حرية تفكيرهم اللبناني الصافي مئة بالمئة .

ثانيا: اين اصبح الدستور؟ واين اصبحت الديمقراطية؟ لابل اين اصبحت الانتخابات النيابية ونتائجها ؟ بل ولماذا يستمر لبنان في اعتماد نظام غير محترم وغير مطبق على ارض الواقع ؟

اننا فعلا امام حالة فريدة من نوعها في تاريخ الدول والشعوب : فالدستور بات خيارا بدل ان يكون ثابتة من الثوابت الوطنية العليا – فلكل تفسيره للنص الواضح مع ان النص الواضح … واضح – اي لا يقبل التفسير – فاصبحنا بحاجة الى توسيع لصلاحيات المجلس الدستوري وتعديل قانون انشائه ونظام عمله الداخلي بغية منحه صلاحية تفسير الدستور واعطاء الفتاوى والاراء الاستشارية الدستورية امام تعدد فقهاء اللغة العربية والقانون الدستوري من بين المسؤولين في المعارضة – وكأن النص الدستوري دخل بازاراتهم السياسية والمصلحية والمذهبية – وقد تجاوزوا كل المحرمات والثوابت الدستورية والقانونية في سبيل تجيير او تطويع النص الدستوري لما يخدم اهدافهم السياسية والمصلحية الضيقة- وبالتالي ان اخطر مظاهر انهيار الدولة والمجتمع السياسي متمثل اليوم باستباحة الدستور الذي هو القانون الاعلى للدولة والذي يكون دائما فوق الشبهات وفوق التطويع والتحريف والتزوير والتفسيرات المشبوهة – ففي لبنان لم تعد هناك مقدسات الا مقدسات الكفر بكل شيء حتى بالله – فالكفر بالدستور واسسه ومفاهيمه جزء لا يتجزأ من مؤامرة الكفر بلبنان كدولة قادرة على الوجود السياسي وحكم نفسها بنفسها – فقد اصبح من المعيب السكوت اكثر فاكثر على التهاون والاستباحة بالنص الدستوري وقد ان الاوان لثورة ثقافية جديدة تضع الاسس الفكرية والعلمية لشروط الصراع السياسي والوطني تصوب قواعد اللعبة الديمقراطية لتكرس التحكيم والاحتكام الى الدستور كفاصل في الصراع وقاض في البت بالنزاعات – لتدعيم المؤسسات الدستورية والسلطات القانونية في البلاد واستعادة هيبة دولة قانون ومؤسسات .

اما الديمقراطية وحالها في لبنان فقد تحولت الى مستوعب فكري واعلامي للتناقض والتناقضات: فليس في القانون والعرف والممارسة عند الشعوب العريقة بديمقراطيتها ما يمكن ان يتضمن الناقض والمنقوض في ان : فالدمقراطية خيار والخيار يعني حرية والحرية لا تأتلف مع المساومة والتسووية – ولا مع التنازل والتوفيقية والتوافقية – فاما توافقية وتسووية وتنازلية واما ديمقراطية بما تعنيه من ابهى وارقى مظاهر التعبير عن الارادة الشعبية التي يقول عنها الرئيس الاميركي الراحل ابراهام لينكولن : " حكومة الشعب بالشعب ومن اجل الشعب " GOUVERNEMENT DU PEUPLE – PAR LE PEUPLE – POUR LE PEUPLE – فاين ديمقراطية الشعب وقد ضربت المعارضة بها عرض الحائط وقفزت ولا تزال – تحت شعار التوافقية – على كافة مفاهيمها واسسها – وقد وصلت الى الشعب رسالتهم بان من يقرر في لبنان ليس الشعب وارادة الشعب بل قوة السلاح ورأي السلاح وفرض هذا الرأي تحت طائلة تعطيل البلاد – وهنا لا بد من ملاحظة هامة لمن يريد ان يسمع ويفهم :

اذا كانت الديمقراطية قد منحت وشرعت واجازت حق الاعتراض والرفض والاحتجاج بالوسائل السلمية والحضارية والبناءة لايصال الموقف او الرأي – الا انها لم تشرع التعطيل وشل الدولة والمؤسسات والمرافق العامة والخاصة – ولم تشرع الانقلاب على الدستور لا بل الغدر به والانقلاب على الارادة الشعبية – لان مثل هذه المظاهر ليست اساليب تعبير دمقراطية بل هي تماما نقيض الديمقراطية – لان الديمقراطية التي تبيح التعبير باسلوب حر وحضاري وبناء لا تبيح في الوقت عينه اساليب الانقلاب عليها وعلى حريتها لتصبح اداة فرض وتهديد واسر واستئثار بمصير البلاد والعباد – وتعطيل للدولة ومرافقها – وتهديد الاخرين بالقوة والسلاح – تحت شعارها واستظلالها .

فالديمقراطية اجازت الموالاة والمعارضة – فعلى من يوالي ان يعمل في تحقيق اهدافه وافكاره وعلى من يعارض ان يعمل على مراقبة الموالي ومحاسبته وصولا الى اسقاطه وقد تضمنت الانظمة الديمقراطية الدستورية ومنها النظام الدستوري اللبناني الذي يراد تعطيله اليوم – اليات تسقط الحكومات واليات سحب الثقة بها واليات اقالة الوزراء واليات تعيين الموظفين العامين واقالتهم – فمن قال ان جهاز الحكم مطلق لا تحده حدود ولا تقيده قيود .

لكن المشكلة تبقى في ان بعض اللبنانيين اختاروا اسقاط الدولة واسقاط الدستور والنظام بغير اساليب الديمقراطية – وقد سقطت امامهم وفي ضمائرهم المقدسات حتى مقدسات الدم اللبناني – اللبناني وقد استهان هؤلاء بكل شيء حتى بادارة البنادق والمدافع على رؤوس اللبنانيين – فما بالنا نستفظع استهانتهم بدستور ونصوص ومواثيق واعراف وتقاليد – فقد سبق السيف العزل وها هي البلاد برمتها اسيرة معادلتهم الصعبة … لابل المستحيلة : لا معيار ولا مقياس ولا اسس ولا مبادئ الا ما ترسوه البندقية والمعركة – وما عداها تسقط ويسقط معها الهيكل على الجميع – لا فرق ولا من يبالي فيهم بحرب اهلية او حرب طائفية او تقسيم او تفتيت للدولة والشعب – وفي ذلك اكبر دليل على ارتهان البعض للخارج واستحقاقات الخارج اكثر منه ارتهانا للبنان واستحقاقاته المصيرية.

ثالثا : لقد سعينا وسعى قسم كبير من اللبنانيين خلال الحرب المؤسفة التي عصفت بلبنان منذ 1975 الى فصل قضية لبنان عن قضية الشرق الاوسط – وقد قاومنا في مرحلة من المراحل الوجود الفلسطيني الذي اقتنع بلبنان بديلا عن فلسطين – ثم قاومنا عهد الوصاية السورية التي وضعت معادلة وحدة المسار والمصير – وكنا دائما – والقسم الاكبر منا اليوم في قوى 14 اذار – ومعنا قيادات تاريخية امثال المغفور لهم الشيخ بيار الجميل والرئيس كميل شمعون والشيخ بشير الجميل وسواهم من عمالقة السياسة اللبنانية والمسيحية التاريخيين نعمل ونجهد لجعل لبنان والحل فيه منفصلين عن صراعات المنطقة – بعدما رأينا جميعنا مسلمين ومسيحيين ما حل بلبنان من ويلات ونكبات وجراح والام نتيجة رهن ارادتنا وقضيتنا بقضايا الاخرين – وقد شكلت دعوة حفنة من المسيحيين عام 1975 الفلسطينيين الى العودة الى فلسطين ( حق العودة اليوم ) مدار اتهامات بالخيانة والصهينة والانعزالية والعداوة للقضية العربية – فاذا بلبنان يدفع اثقل الاثمان عن العرب وعن القضية العربية على مدار سنوات وسنوات طويلة – ومع ذلك عاد الجميع اليوم الى القناعة بان حق العودة اولوية وان لا مجال لقبول توطين الفلسطينيين في لبنان.

فكيف نحارب التوطين اليوم ؟

يحارب التوطين اليوم بقيام الدولة اللبنانية القادرة والقوية بمؤسساتها وقواها الذاتية في بسط سلطتها على كامل التراب اللبناني – ما يتطلب تعزيز التفاف اللبنانيين حول دولتهم ومؤسساتها وقوانينها – فلا يحارب التوطين بالمزيد من التشرذم والتعسف والتعنت على اضعاف الدولة والمؤسسات وفرض الدويلات ضمن الدولة والسلاح غير الشرعي في مقابل السلاخ الشرعي .

من هنا تعجبنا من حماسة بعض قوى 8 اذار وعلى رأسها التيار الوطني الحر الذي جعل من مكافحة التوطين شعارا اساسيا لحملته الانتخابية في حزيران الماضي – وتحالفها في الوقت عينه مع من يقيم الدويلات ضمن الدولة بما يؤدي وأدى الى اضعاف الدولة واضعاف المؤسسات واضعاف المناعة الذاتية اللبنانية في مواجهة التوطين – اذ لو وجدت دولة قوية يجتمع حولها ابناؤها في رفض التوطين وتعطى الدولة الصلاحيات الكاملة في ازالة السلاح غير الشرعي – لا يمكن عندها لاي مخطط اجنبي ان يمر على حساب لبنان بما فيه مخطط التوطين.

فالتيار الوطني الحر يدعم فكرة الميليشيات غير الشرعية – وهو يسلم جدلا بان الميليشيات هي اليوم الدولة – تحت شعار المقاومة – وقد نسي هؤلاء ان المقاومة توجد عندما تغيب الدولة – ولا يمكن ان تتساكن معها – وشواهد التاريخ كثيرة وعديدة عندما تحركة المنظمات المقاومة للاحتلال – كانت الدول محتلة وبالتالي المؤسسات العامة والقوى الامنية الذاتية اضعف من ان تقاوم المحتل – فقامت المقاومات الشعبية التي ردت بعد نجاحها الامانة الى المؤسسات والسلطات الدستورية والشرعية ووضعت نفسها بتصرف الدولة وفكرة الدولة ومبدأ الدولة – وفي بعض الاحيان تحولت الدولة الى المقاومة الاولى للاحتلال ثم وبعد زواله عادت وانتظمت في اطار النظام والشرعية والمشروعية الدستورية .

لقد طال التضليل واخذ من مساحات الذكاء الجماعي للشعب اللبناني حيزه الضيق فقد ان الاوان ان نقول الحقيقة كل الحقيقة – وان لنا كاحرار في هذا البلد ان نضع النقاط على الحروف بصراحة الشجعان واقدام الاوفياء – فنوقف موجات التضليل والباطل والتعطيل لان دولة المستقبل لا تبنى على الترقيع والتسويات الانية – ولان في بلدنا دستور واتفاق وطني اسمه الطائف كان واضحا في نصوصه من السلاح غير الشرعي وهو لم يستثن احدا من حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية خلال فترة ستة اشهر بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوفاق الوطني واقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية .

وكي لا نبقي حججا عالقة في ذهن البعض : فنص الطائف الذي بموجبه يقول باتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سلطة الدولة على جميع الاراضي اللبنانية ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دوليا والعمل على تدعيم وجود قوات طوارئ دولية في الجنوب اللبناني … لا يعني الا ما يعنيه باللغة العربية والقانونية والسياسية : بان العبرة هي لتقوية الجيش اللبناني في هذا النص ولتقوية الشرعية اللبنانية عبر بسط سلطة الدولة على كامل التراب الجنوبي – وبالتالي لا مجال للاستشهاد بهذا النص للقول بتشريع المقاومة – ذاك المنطق المروج الذي لم يكن الا من قبيل عدة شغل ايرانية – سورية لاستباحة لبنان ارضا وشعبا ومؤسسات وجعله رهينة الملفات الاقليمية وورقة مساومة وتفاوض في العلاقات الدولية كما هو الان تماما .

كفى تضليلا … وكفى استغباء للشعب ومثقفيه … لقد بات لبنانكم بدعة عجيبة غريبة … ومنطقكم هدام للوطن والوحدة … فحذاري من اللعب بالنار اكثر …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل