من الديموقراطية الى التوافقية ومن الوطنية الى المذهبية ومن السيادة الى الوصاية
لبنان الماضي يخجل من الحاضر ويخاف على المستقبل
في حلقة ضمت سياسيين مخضرمين جرى عرض لتطور الاوضاع في لبنان منذ الاستقلال عام 1943 الى اليوم فتبين ان لبنان بكل اسف، تراجع ولم يتقدم، فمن اعتماده النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض الى نظام يفرضه العرف هو النظام "التوافقي" الذي يفتح باب الازمات عند كل استحقاق، ويجمع في حكومة واحدة الاكثرية والاقلية فيتعطل دور مجلس النواب المراقب والمحاسب، ومن احزاب وطنية الى احزاب مذهبية تدخل البلاد شيئاً فشيئاً في "فيدرالية الطوائف" ومن دولة للسيادة الكاملة والحرية والاستقلال التام الناجز الى وصايات دول متعددة الجنسية، اصبح ماضي لبنان يخجل من حاضره ويخاف على مستقبله لافتقاده كبار الرجال…
وبعودة هؤلاء السياسيين الى ميثاق 43 الذي تم الاتفاق عليه بين الشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح تبين ان من مبادئه: "لبنان ذو وجه عربي له طابعه الخاص ولا يجوز له ان يقطع صلاته الثقافية مع الغرب، وان دور لبنان هو في تعاونه مع الدول العربية بعد ان نعترف باستقلاله وكيانه وبحدوده الراهنة، المحافظة على التوازن في علاقاته مع جميع الدول العربية بدون تفضيل ولا تفريق، وانه يراعي في توزيع الوظائف الحكومية العدل بين الطوائف. اما الوظائف الفنية فتؤخذ الكفاءة في الاعتبار، وان يكون استقلاله تاماً وناجزاً عن الدول العربية وعن كل الدول فلا وصاية ولا حماية ولا امتياز ولا مركز ممتاز لمصلحة اي منها، والتعاون الى اقصى الحدود مع الدول العربية الشقيقة والصداقة مع كل الدول الاجنبية التي تعترف بهذا الاستقلال الكامل وتحترمه". ولوحظ انه بعد الاتفاق على هذه المبادئ الاساسية سأل الشيخ بشارة الخوري رياض الصلح: "هل تعتقد ان اتفاقنا يمكن ان يحظى بتأييد اخواننا المسلمين وانهم سيقبلون لبنان كوطن نهائي لهم لا كمرحلة انتقالية، ولن يتوجهوا بانظارهم من جديد نحو دمشق كمحط لآمالهم ولاحلامهم؟" فأجاب الصلح: "اذا كان اتفاقنا صريحاً وشريفاً بدون غبن لاحد وحافظاً كرامة المسلمين والمسيحيين معاً متضمناً توزيع الحقوق على قدم المساواة، فأنا لا اكتفي بأن اضمن موافقة مسلمي لبنان فحسب، بل اتعهد باقناع الحكام العرب وخصوصاً السوريين بأن من واجبهم الاعتراف باستقلال لبنان والمحافظة على حدوده الحالية نهائياً وأبديا وعندئذ تلغى معزوفة "الام الحنون" ونغمة الالتحاق بدمشق".
وفي جلسة اقرار ميثاق الجامعة العربية قال رياض الصلح بالحرف: "نحن رواد استقلال وتعاون بين المسيحيين والمسلمين ونحن نحمي استقلال لبنان التام الناجز ونفديه بدمائنا وارواحنا ليس فقط ضد الغرب بل ضد الشرق ايضاً".
وفي البيان الوزاري للحكومة الاولى برئاسة الصلح قال: "ان الحكومة التي اتشرّف برئاستها قد انبثقت مع مجلسكم الكريم من ارادة الشعب وهي لن تعرف غيره مرجعاً وانها لن تستوحي سيادتها من غير مصلحته الوطنية العليا، ونريد الاستقلال استقلالاً صحيحاً وسيادتنا الوطنية كاملة نتصرف بمقدراتنا كما نشاء وكما تقتضي مصلحتنا الوطنية بدون سواها".
وتساءل السياسيون المخضرمون اين كنا من هذا الكلام الوطني الصادق واين صرنا اليوم، في كثير من المجالات؟ فتطبيق النظام الديموقراطي واحكام الدستور كان يجري بدقة. فالاكثرية التي تنبثق من الانتخابات كانت تحكم والاقلية تعارض، فأصبحت هذه الاكثرية اليوم لا تحكم واذا حكمت فالأقلية تتحكم بها وتفرض عليها شروطها. وكان رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويختار من بينهم رئيساً لهم ثم عدّل الدستور فأصبح تعيين رئيس الحكومة تقرره نتائج استشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية، وصار تشكيل الحكومة يتم بالاتفاق بين رئيس الحكومة المكلّف ورئيس الجمهورية بعد استمزاج آراء الاحزاب والكتل من خلال مشاورات يقوم بها الرئيس المكلّف، فصارت الاحزاب والكتل هي التي تسمي اليوم وزراءها وتختار الحقائب وليس رئيس الجمهورية بالاتفاق مع الرئيس المكلف.. وكانت الاحزاب وطنية تخوض الانتخابات بلوائح تضم مرشحين من كل المذاهب والمناطق وكان الناخب يقترع للخط السياسي لهذه اللائحة او تلك، فصار الناخب اليوم يقترع لمرشح هذا المذهب او ذاك حتى ضمن اللائحة نفسها. وكانت الحكومات تشكل اما من الاكثرية النيابية التي تتألف من كل المذاهب وتتمثل فيها كل المناطق. او بالتحالف مع كتل واحزاب في الاقلية كي تكون حكومة ائتلافية، فصار تأليف الحكومات اليوم على اساس مذهبي بحيث لم يعد في امكان الاكثرية النيابية التي تأتي بها الانتخابات قادرة على تشكيل حكومة منها، اذا قرر مذهب من المذاهب عدم المشاركة فيها في حال لم يؤخذ بشروطه ومطالبه، ولا يقبل تالياً ان يتمثل بأي شخص ينتمي الى هذا المذهب بحجة انه لا يمثله تمثيلاً صحيحاً فتواجه البلاد ازمة وزارية مستعصية قد تتحول ازمة حكم، وهو ما يحصل في الزمن الرديء اليوم الذي لا دستور يحترم فيه ولا نظام يعتمد، ولا سيادة ولا حرية ولا استقلال بل وصاية ووصايات…
واذا كان التدخل الخارجي في الانتخابات الرئاسية في الماضي خفياً ومعقولاً، فإن هذا التدخل بات اليوم مكشوفاً ولا خجل منه وفيه ولم يعد يقتصر على انتخابات رئاسة الجمهورية، بل تعداها الى الانتخابات النيابية وانتخابات رئاسة المجلس، والى تشكيل الحكومة في لبنان. واذا كان التدخل في الماضي من دولة او جهة واحدة فإن المتدخل اليوم بات اكثر من دولة واكثر من جهة تحاول كل منها تحقيق مصالحها واهدافها من خلال عملية التشكيل، فإذا تضاربت هذه المصالح استمرت الازمة الوزارية الى اجل غير مسمى واستمر الفراغ الذي قد تملؤه الفوضى ولا سيما الامنية..
لذلك رأى هؤلاء السياسيون انه اذا كان اللبنانيون وزعماؤهم يريدون لبنان سيداً حراً مستقلاً فعلاً لا قولاً، ولا يظلون في حاجة الى تدخل اي خارج في شؤونه الداخلية او وصاية اي دولة، فما عليهم سوى العودة الى النظام الديموقراطي الصحيح الذي اعتمده في الماضي مع اعتماد قانون للانتخابات يكون عادلاً ومتوازناً لا يؤمن التمثيل الصحيح فحسب، بل الانصهار الوطني، ايضاً، فلو ان هذا النظام لم يكن النظام الامثل لما اعتمدته دول كثيرة بعدما جربت انظمة كثيرة لم تحقق ارادة الشعب بل ارادة الحكام.
وعندما تجرى انتخابات نيابية على اساس قانون عادل ومتوازن يؤمن التمثيل الصحيح ويحقق الانصهار الوطني، فإنه يصبح في الامكان العودة الى تطبيق النظام الديموقراطي تطبيقاً سليماً وصحيحاً، كما يصبح في امكان الاكثرية المطلوبة انتخاب رئيس الجمهورية بدون ان يتعرض انتخابه لتعطيل الاقلية، وان تتشكل حكومة منها وحدها او مع بعض الاقلية اذا صار اتفاق بينهما على برنامج عمل الحكومة، ولا يظل يحول دون تشكيلها تحالفات مذهبية تذهب بالبلاد مع الوقت نحو حكم "فدرالية الطوائف" المفتوح اما على ازمات لا حل لها او تعطل سير عجلة الدولة، فلا يعود عندئذ سبيل للخروج منها الا بتدخل خارجي من كل الجنسيات، وقد يصبح حكماً مرتبطاً بتسوية خلافات عربية او اقليمية او دولية، على حساب مصالح لبنان.