لبنان: عجز يستدعي الخجل
هل يحق للبناني أن يشعر بالفخر، أم بالعجز والخجل معاً، أمام هذا الاهتمام الاقليمي والدولي العارم بالأزمة الحكومية في بلده؟ تمر أسابيع في بلدان أخرى، من غير أن تقوم فيها حكومة، سواء كان ذلك في اسرائيل، حيث تستدعي أزماتها دائماً حكومات ائتلافية من غير ان يشكل ذلك مأزقاً لنظامها السياسي، أو في دول معروفة بعراقة أنظمتها الديموقراطية كما حال ايطاليا، المشهورة تقليدياً بأزماتها الحكومية، أو المانيا التي تعمل مستشارتها العائدة باكثرية بعد الانتخابات الأخيرة على تشكيل حكومة جديدة قد يستغرق أسابيع كذلك. ولكنك لا تجد قلقاً أوروبياً على المصير ولا تدافعاً على حل الأزمة من قبل الجيران، بل لا تجد ان مصير التشكيل الحكومي في هذه البلدان معلق على الاتفاق أو عدم الاتفاق الخارجي.
الشعور الأصح حيال الأزمة الحكومية في لبنان هو شعور المواطن اللبناني بعجز الطبقة السياسية في بلده عن تدبير أمورها بنفسها، والشعور بالخجل أمام هذا الارتماء الدائم في أحضان الرعاية الخارجية كلما برز مأزق داخلي. هناك استسلام كامل لنفوذ الأدوار والمصالح الخارجية، ما بات يمنح هذه المصالح المبرر للتدخل تحت غطاء صون الوضع الداخلي ومنعه من الانهيار. بلد تعجز الطبقة السياسية فيه عن القيام بدورها كحامية لمؤسساته وأمينة على دستوره. بل ان هذه الطبقة نفسها، أو القسم الأكبر منها، باتت وظيفتها الداخلية مجرد مرآة لأهواء الخارج ومصالحه. لهذا لم يعد مستغرباً أن تسبق أي موقف داخلي، أو أي تصريح صحافي، من هذا الفريق اللبناني أو ذاك، زيارة للدولة الراعية وراء الحدود لاستمزاج رأيها في الموقف الذي تقتضي الظروف اتخاذه.
ليست وراء الاهتمام بأوضاع لبنان أية مخاطر يشكلها البلد الصغير على الوضع الاقليمي. بالتأكيد لا تخطط بلاد الأرز لإنتاج قنبلة نووية يمكن أن تثير القلق، ولا لهجمة عسكرية على بلد مجاور، قد تعيد ترتيب حسابات الجوار، ومثل هذا الأمر صار مستبعداً في ظل صون القرارات الدولية لتلك الحدود. كل ما في الامر وراء هذا الاهتمام أن هناك عجزاً داخلياً فاضحاً عن حل الخلافات، أدى في ما أدى اليه، الى أن تصبح الحلول الكبرى لأزمات البلد وللمحطات الكبرى في مسيرته السياسية تحمل أسماء عواصم ومدن القرار الخارجي التي تناوبت على الحل. وليس في الامر ما يدين هذه المدن والعواصم بقدر ما هو ادانة للبلد الصغير ولقادته ولأهله، الذين ما باتوا يرون في تلزيم شأنهم الداخلي للخارج ما يستدعي عتباً او خجلاً.
بلدان أخرى حول لبنان تمر بأزمات أكثر تعقيداً من العجز عن تشكيل حكومة، منها مصيري كما الحال مع النزاع الداخلي بين الفلسطينيين، ومنها ما يهدد بتفكك البلد ذاته، كما الحال في حروب اليمن. لكن الاهتمام الاقليمي بهذه الأزمات لا يتعدى الدعوات الى انهاء النزاعات الداخلية ومحاولة الوصول الى ما يجمع الاطراف حول حلول تمنع الاقتتال أو تخفف من حدته. في كل حال ليس ما يشير الى ان حلول هذه الأزمات تنتظر التسويات الاقليمية، او أن هذه التسويات اذا حصلت ستكون كافية وحدها لبلوغ الحلول. وحدها الأزمة الحكومية اللبنانية توحي وكأن خيطاً سحرياً يربط بينها وبين الخلافات الخارجية، حتى بات الداخل اللبناني، السياسي والاعلامي، لا يخفي قرار انتظار نتائج القمم المنعقدة في الخارج، ليرهن بها فك عقدة حكومته وحل أزمته الداخلية.
ليس هناك أي عنصر من عناصر القوة وراء تغليب القرار الاقليمي على القرار الداخلي في حل هذه الأزمة. على العكس، وراء ذلك اعلان صريح عن عجز البلد عن تدبر أموره بنفسه، ليس فقط لأن قسماً كبيراً من قياداته بات رهينة القوى الخارجية، بل فوق ذلك لأن معظم هذه القيادات بات يفتقر الى قدر كبير من الانتماء الوطني في تعاطيه الشأن العام، وهذا ربما هو علة العلل الكبرى وراء المأزق اللبناني الحالي.