"تصريف أعمال" الجمهورية ؟
يشكل الاجتماع النيابي الذي عقد امس في ساحة النجمة تمهيدا لجلسة المجلس النيابي في العشرين من الجاري، حافزا خلفيا للاطلالة على "واقع تصريف الاعمال" الذي يعيش لبنان في ظله منذ الانتخابات النيابية.
هذا المجلس المنتخب منذ 7 حزيران عقد جلسة يتيمة نظامية واحدة حتى الآن انتخب فيها رئيسه والثانية سينتخب فيها لجانه، وسط التباس يثيره حلول موعد بدء العقد العادي للمجلس بعد 15 تشرين الاول واستمرار "الفراغ الحكومي".
وهو التباس يكاد يطاول البرلمان المنتخب بدوره بتعطيل قسري هذه المرة وليس بارادة من عطلوه في المرة السابقة، حتى ان جمهور الناخبين لم تتوفر له الفرصة بعد للتعرف على الكثير ممن انتخبهم ومعاينتهم تحت قبة البرلمان.
وما دام الشيء بالشيء يذكر، وعلى امل ان تصدق هذه المرة موجات التفاؤل التي يضخها البعض ويبشر عبرها باقتراب الولادة الحكومية، فقد يتعين على المجلس النيابي في مطالع اولوياته ان يجري جردة واسعة لحصر الاضرار ومسحها خلال حقبة تصريف الاعمال لدى مثول "الحكومة المفترضة" امامه لنيل ثقته. فثمة اسطورة شائعة رميت في التداول بعد الانتخابات على سبيل التخدير تقلل اثر تصريف الاعمال على الاستقرار العام، وتسوّغ تطويل امد الازمة ما دام هناك حكومة تصريف اعمال بدلا من ضائع كشبكة امان لغدرات الازمة المفتوحة.
تشبه هذه الاسطورة الخادعة تنويم الناس على حرير المناعة المالية والاقتصادية التي حالت دون اصابة لبنان بكارثة الازمة المالية العالمية الضاربة في سائر ارجاء المعمورة. بطبيعة الحال لا يمكن التعامل مع هذه النعمة بنكران او عدم اعتراف بالكثير من وجوهها الصحيحة بدليل ان لبنان لم يشهد انهيارات مماثلة كما شهدته الدول العملاقة اقتصاديا وماليا. لكن لبنان ليس متانة مالية فقط، بل هو مجموعة قطاعات مترامية ومتشابكة تعاني مآسي فظيعة وترتد على احوال الناس ويومياتهم وحاضرهم ومستقبلهم. وليست ازمات الكثير من القطاعات الانتاجية والصناعية والزراعية والاعلامية والصحافية والاجتماعية والخدماتية سوى انذارات ناطقة حية حيال فداحة الوضع البائس الذي يتغلغل عميقا في شرايين الدورة اللبنانية.
الامر لا يتصل بالسياسة هنا، التي غدت مفاهيمها اقرب الى طبقة صماء استعلائية انانية متغطرسة تدعي النطق باسم الناس فيما هي تدأب على جلدهم والامعان في افقارهم وترك الازمات تتفشى في كل اتجاه وتقوض عافية من عصت عليه حروب من قبل. يكفي ان تمر سنة خامسة على لبنان وهو من دون موازنة لمعاينة فداحة "الجاهلية الدستورية" التي تفرض بقوة قاهرة على النظام والناس، فكيف لو احصيت غدا كل الاضرار والمشتقات اللاحقة بكل قطاع عام او خاص على مستوى المجتمع او الافراد او المؤسسات والقطاعات؟
يغدو تحذير وزير الداخلية من تأخير الانتخابات البلدية تحت وطأة تأخير ولادة الحكومة تفصيلا عارضا نافلا، على خطورته، امام دفق الاضرار الاخرى التي تطل برؤوسها تباعا والتي ستسجل في خانة هذه الحقبة، حقبة تصريف الاعمال.
أخشى ما يخشاه لبناني تسحقه يوميات هذه الحقبة، ان يكون امام تصريف اعمال الجمهورية مرة اخيرة وحاسمة، اذا مضى هذا النهج الخبيث في اكل الوقت واستهلاكه فيما تتآكل الناس ازمة اثر ازمة بما لا يعود معه ممكنا وقف مسلسل الاضرار والانهيارات عند حدود او موانع او سدود.
واذا كان مجلس نيابي منتخب حديثا بالكاد تمكن من استلحاق الاضرار التي هددت ببطالته في مطلع "شبابه"، فكيف ببركان يعتمل بأزمات اجتماعية وقطاعية وانسانية بدأ يطلق نذر انفجاره ويفجر تراكمه المزمن؟