أي حكومة ننتظر وأي لبنان يٌرتجى؟
في تصريحات وكتابات بعض من يحملون عادة الموقف السوري حيال الوضع اللبناني ويبشّرون به، وردت معلومات ان القمة السعودية – السورية الاخيرة قد حددت السقف الذي يجب ان تتشكل على اساسه الحكومة المقبلة، وهو سقف حكومة الوحدة الوطنية، وان على الرئيس المكلف سعد الحريري ان يلتزم بهذا السقف ويسارع الى تشكيل الحكومة، وفي خلفية هؤلاء ان الحريري سيخرق هذا السقف ان هو رفض توزير الوزير الحالي جبران باسيل، واعطاءه وزارة الاتصالات.
أليس من السخافة بمكان ان تكون الوحدة الوطنية مرتبطة بتوزير شخص او بعدم توزيره، كائناً من كان هذا الشخص، او باعطاء هذه الوزارة الى هذا التكتل او ذاك، هل سقط مفهوم الوحدة الوطنية الى هذا الدرك، وتحوّل الى سلعة في بازار المحاصصة او المناكدة، او فرض الشروط والشروط المضادة، بدلاً من ان تكون الوحدة الوطنية فعل ايمان، واقتناع، وممارسة فعلية بما يؤمّن مصلحة الوطن والدولة، وليس مصلحة هذا الشخص او هذا الحزب، او هذا التكتل، امّا المفاخرة بأن القمة السعودية – السورية قد اعطت كلمتها «الحاسمة» في هذا الشأن، وان اي اخلال او تعديل او تصويب لهذه «الكلمة الحسم»، انما هي رضوخ للشروط والاملاءات الاميركية، فهذا قول معيب ان يصدر عن لبناني يفترض ان يكون رأيه من ارادته وقراره من ذاته، دون ان يمنع ذلك انفتاحه على اشقائه العرب وقبوله بالنصيحة النصوح.
من ناحية اخرى، ولغاية استغلال التأخير في تشكيل الحكومة، بتصوير الاكثرية النيابية وكأنها هي المسؤولة عن التأخير والعراقيل، تثير الاقلية النيابية المواضيع الاجتماعية والضغوطات التي يتعرض لها المواطنون، لتحميل الاكثرية وزرها، ودفعها الى القبول بأي حكومة، او دفع الرئيس المكلّف الى تشكيل حكومة بالتي هي احسن، وتركه يتحمّل لاحقاً مساوئ تركيبتها غير الفاعلة وغير المتوازنة، وغير المنسجمة، وبدلاً من ان يكون تشكيل الحكومة هو الحل، يصبح هو المشكلة، وتتحول الحكومة التي اريد لها ان تكون حكومة وحدة وطنية، الى حكومة تصريف الاعمال، وترك الازمات تتراكم الى حد الانفجار في اي وقت.
* * * * *
على صعيد اخر كان هناك موقفان متناقضان، لافتان في خطاب العماد ميشال عون في ذكرى شهداء 13 تشرين الاول، الموقف الاول اعلانه ان النظام المافيوي ينهش الجسم اللبناني كالسرطان، والتناقض هنا ان العماد عون اكتفى كالعادة باطلاق الشعار او الاتهام، دون ان يدل على المسبب، فالنظام المافيوي يفترض ان يقف وراءه مسؤولون مافياويون يستفيدون من هذا النظام، فمن هم هؤلاء، هل هم حلفاؤه الحاليون الذين كانوا اساسيين في تركيبة الحكم منذ العام 1989، ام هم خصومه الحاليون ممن كان بعضهم ايضاً اساسياً في دولة الطائف، وهو يتفاوض معهم اليوم، وقد يتحالف غداً، واصبح بينه وبينهم مودة وخبز وملح؟
اما الموقف الثاني الذي يتناقض مع طروحات العماد عون السابقة وشعاراته في السيادة، وانتقاداته المريرة لعدد من الدول العربية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، فهو حين يدعو اللبنانيين الى التقاط لحظة التقارب والدعم العربي للاسراع في تشكيل الحكومة، لأن مسؤولية اللبنانيين – حسب رأي العماد عون – هي في «انجاز التفاصيل حول الحقائب والوزراء».
وهذا يعني ان سوريا والسعودية قد طبختا للبنانيين طبخة الحكومة، ووظيفتهم الان ان يحضّروا فقط الصحون والملاعق والكراسي والاشخاص لتناول الطعام.
لا احد ينكر تأثير الخارج على لبنان، خصوصاً بعد ان حوّل بعض العرب والاجانب لبنان الى ساحة حرب انهكت مناعته السيادية، وكان الأمل بأن يتعدّل الواقع المرّ، على يد المقاومين اللبنانيين، وعلى يد من انخرط لاحقاً في الموجة السيادية، الاّ ان سقوط البعض في منتصف الطريق ضرب المسيرة وعرقل استعادة السيادة والقرار، ولهذا السبب تتعثر مسيرة الحكم، وتضعف الدولة، وتتخبط الاستحقاقات المصيرية في وحول العرقلة والمصالح الخاصة، وتتحوّل الانظار الى الخارج تستجدي العون والخلاص.
كان يا ما كان في قديم الزمان، دولة اسمها لبنان، كانت تحلّ مشاكلها ومشاكل شقيقاتها الدول العربية، وبفضل فريق من اللبنانيين، تحوّل هذا البلد العالمي التأثير الى قاصر معوّق ينتظر من يأخذ بيده ليستطيع الوقوف على قدميه، والسؤال الان: هذا اللبنان الى متى والى اين؟