عودة الوعي!
مرّ حتى الآن، أكثر من أربعة أشهر والبلاد سائبة، بلا حكومة تحكم، وليس في الأفق المنظور أية بوادر ملموسة تبشّر بولادتها قريباً على الرغم مما راج وشاع بعد قمّة دمشق بأن عجلة التأليف انطلقت ولم تعد هناك من موانع عربية كانت تحول او تؤخّر انطلاقتها، وان الاحتفالات بالولادة ستعم البلاد قبل العشرين من الجاري موعد زيارة رئيس الجمهورية المقررة الى اسبانيا.
لا نريد أن نكون متشائمين ونقول بان أزمة التأليف مستمرة، وهي شبيهة بأزمة الفراغ الرئاسي التي لم تحل الا بعد اتفاق الدوحة وبعد السابع من أيّار، بل نريد أن نتفاءل مع المتفائلين بقرب ولادة الحكومة العتيدة حتى ولو لم نكن مقتنعين قياساً على وقائع ملموسة وعلى الانطباع العام السائد بأن الخروج من هذه الأزمة بات قريباً، وقريباً جداً على حدّ ما سمعناه في اليومين الماضيين من فريقي المعارضة والموالاة، لكن الحذر واجب في مثل هذا الوضع الذي تعيشه البلاد والخوف واجب أيضاً وكذلك القلق والحزن والأسى لما آلت اليه الأمور، ولما هو منتظر ان تؤول إليه.
حتى البطريرك صفير المعروف بتفاؤله الدائم والذي يملك بحكم موقعه ما لم يملكه الآخرون من معلومات متألم لما آل إليه الصراع الدائر بين الفرقاء حول تشكيل الحكومة ومتحسر لأن التشكيل تأخر كل هذه المدة، والبلاد سائبة، والشعب يدير نفسه بنفسه في ظل فوضى عارمة، ومخاوف كثيرة من ان يأكل الناس بعضهم البعض.
والبطريرك صفير متألم ومتحسر أيضاً لأن ما يحصل على صعيد أزمة تشكيل الحكومة هو أشبه ما يكون بعملية انقلاب على النظام القائم، وعلى الدستور، فلا احترام لارادة الشعب التي أتت بأكثرية لكي تحكم بموجب الدستور وطبقاً للنظام وبأقلية تعارض من موقعها الطبيعي، لا أن تتحول الأكثرية إلى أقلية وتلغى مفاعيل النظام والدستور.
وكأن البطريرك الماروني ينعى النظام، وينعى الدستور متخذاً من الوضع القائم سبباً كافياً لهذا النعي، مع الرجاء بأن لا يكون هذا الاستنتاج صحيحاً، وأن تكون صرخة الألم التي أطلقها حافزاً للجميع لعودة الوعي إلى قلوبهم وعقولهم، لأن البلد لم يعد يحتمل.