لأن بقاء سلاحه إلى أجل غير مسمّى يجعله الأقوى
"حزب الله" لا تهمّه الحقائب بل ما يرضي حلفاءه
يمكن القول ان الحزب الوحيد الذي لا يهتم بأن يكون له الحصة التي يريد في الحكومة العتيدة ولا بالحصول على الحقائب السيادية والخدماتية هو "حزب الله"، بل يهمه ارضاء حلفائه، ولاسيما منهم "التيار الوطني الحر"، لانه الحزب المسيحي الوحيد الذي يغطي سياسته وتصرفاته ويهمه تاليا وفي الدرجة الاولى ان يظل محتفظا بسلاحه، وهو ما استطاع ان يحققه حتى الآن رغم كل الضغوط المحلية والعربية والدولية، لان لا حاجة للقول ان من يملك السلاح يملك القرار ويتحكم بالشارع.
وما يهم "حزب الله" في البيان الوزاري هو تضمينه العبارة التي ترضيه في ما يتعلق بسلاحه، وقد استغرق البحث عن هذه العبارة في بيان حكومة الرئيس السنيورة وقتا بسبب الخلاف على اضافة عبارة "في كنف الدولة" عند الكلام على هذا السلاح، وقد رفض الحزب ايراد هذه العبارة في البيان الوزاري كي يظل حرا في استخدام سلاحه في الزمان والمكان اللذين يختارهما، فكان له ما اراد واصبحت العبارة كالآتي: "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير او استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر المحتلة والدفاع عن لبنان في مواجهة اي اعتداء بكل الوسائل المشروعة والمتاحة" وقد تحفظ عن ذلك وزراء "القوات اللبنانية" و"الكتائب" والوزير نسيب لحود.
وليس وجود ممثلين لـ"حزب الله" في الحكومة ما يحول دون صدور القرارات التي لا تعجبه، بل ان سلاحه يكفي ليحميه من هذه القرارات ويحول دون تنفيذها، وهو ما جعل الحزب يلجأ الى الشارع في 7 ايار ليعبر عن رفضه القرارين المتعلقين بنقل رئيس امن المطار ووقف العمل بشبكة الاتصالات العائدة الى الحزب، ولم يكن في حاجة الى وجود وزراء له في الحكومة كي يمنع صدورهما، بل كانت احداث 7 ايار كافية لحمل الحكومة على التراجع عنهما والا باتت معرضة للاستقالة بسبب تهديد النائب وليد جنبلاط بسحب وزرائه منها اذا لم يتم هذا التراجع… ويُخشى ان يصبح الشارع هو الذي يقرر مصير القرارات التي تتخذها اي حكومة، بعدما عمد انصار النائب سليمان فرنجيه الى اقفال المدرسة الرسمية المهنية في زغرتا احتجاجا على تعيين مدير لها غير مقبول منه…
ووجود السلاح خارج الشرعية في كل عهد – وهو ما بات معروفا ومعلوما – هو الذي يعطل ما تقرره الحكومات. فعندما كان هذا السلاح في ايدي التنظيمات الفلسطينية كان بعض رؤساء الحكومة يتصلون بياسر عرفات للوقوف مسبقا على رأيه في القرارات التي تعنيه قبل الموافقة عليها، وعندما كان هذا السلاح في ايدي الميليشيات ولاسيما في ايدي "القوات اللبنانية" لم تكن الحكومات، خصوصا في عهد الرئيس سركيس، تتخذ قرارات تعني هذه "القوات" الا بعد العودة اليها للوقوف على رأيها مخافة ان تحول دون تنفيذها.
ولو لم يكن السلاح موجودا خارج الشرعية لكانت قوى 14 آذار تمكنت من انتخاب رئيس للجمهورية من صفوفها بالنصف زائد واحداً، ولتمكنت ايضا من حمل الرئيس اميل لحود على الاستقالة قبل انتهاء ولايته الممددة، لكن الخوف من التصادم مع هذا السلاح جعل البطريرك الكاردينال صفير يحذر من تداعيات اللجوء الى الشارع لتحقيق ذلك وأصر على اعتماد الوسائل الدستورية والشرعية فقط. ولولا وجود السلاح خارج الشرعية لما كان في استطاعة قوى 8 آذار ان تستمر اكثر من سنة في اعتصامها داخل الخيم وفي الوسط التجاري لبيروت، وأن تتسبّب بما تسببت من خسائر مادية للناس وللدولة، بل كان في استطاعة السلطة انهاء هذا الاعتصام بأسرع وقت.
وها ان استمرار وجود السلاح خارج الشرعية وتعذر التوصل الى اتفاق على حل له يحولان دون تشكيل حكومة من الاكثرية وفقاً للنظام والدستور اذا تعذر تشكيل حكومة ائتلافية، لا لشيء الا خوفا من هذا السلاح وتعريض البلاد لفتنة او فوضى امنية عارمة، وهو ما قاله مرجع رسمي امام بعض زواره عندما سألوه عن اسباب عدم لجوئه الى تشكيل حكومة من الاكثرية او من غير السياسيين…
وفي تشكيل الحكومة العتيدة التي يصر "حزب الله" ومعه حلفاؤه في المعارضة على ان تكون حكومة وحدة وطنية وعلى اساس 15+10+5 من دون اي تعديل يهمه ان تكون حصة "التيار الوطني الحر" وتكتل "التغيير والاصلاح" مرضية، لان الحزب سوف يعتمد عليهما في مجلس الوزراء للموافقة على ما ينبغي الموافقة عليه، ورفض ما ينبغي رفضه، بحيث يكون وزراء "التيار الوطني الحر" وتكتل "التغيير والاصلاح" رأس حربة داخل مجلس الوزراء كما كانا رأس حربة المعارضة في طرح المطالب والشروط لتشكيل الحكومة، وجعلا من توزير جبران باسيل مشكلة المشاكل… فاذا كانت حكومة "الوحدة الوطنية" ستشكل بهذه "النيات الحسنة" وهذه الخلفيات المريبة، فقمحاً سيأكل اللبنانيون المغلوبون على امرهم، واصلاحات سياسية وادارية وقضائية سوف تتم على يدها، وخفض للدين العام سوف يتحقق كي ترتفع نسبة النمو ويعم الازدهار…
لذلك، فانه ما دام هناك سلاح خارج الشرعية، فلا دولة ولا قانون ولا سلطة، ولا حكومة عمل وانتاج، بل حكومة تصريف اعمال…