#adsense

لبنان في مجلس الأمن.. “قفازات بيضاء” تستعيد خطى الديبلوماسية الضائعة

حجم الخط

لبنان في مجلس الأمن.. "قفازات بيضاء" تستعيد خطى الديبلوماسية الضائعة 

يُنتخب اليوم لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن خلفاً لليبيا، هذا ما تبلغته وزارة الخارجية والمغتربين الأسبوع الماضي، وهذا ما سيصبح حقيقة بعد اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة اليوم والتي ستنتخب لبنان ليكون الناطق الرسمي باسم الدول العربية في أروقة نيويورك، ليحصل على مقعد من أصل 15 في أعلى منبر دولي.

هذا القرار، على الرغم من أنه خاضع لحكم المداورة بين الدول العربية، وشاءت الظروف أن يكون لبنان هو الذي سيمثل الجامعة العربية في هذا الصرح العالمي، إلا أن حصول لبنان على هذا "الشرف" لا شك أنه سيكون له انعكاس مهم على موقع لبنان بين الدول العربية أولاً، والدول الأعضاء في الأمم المتحدة ثانياً، واللافت أن المسؤولية المترتبة على عاتق هذا البلد خلال فترة السنتين بدءاً من كانون الأول المقبل، ستعكس حضور لبنان في المحافل الدولية، وهذه المرّة، سيكون عنصراً "مقرراً" في شتى المسائل، وبالتالي سيتحول من أن يكون حدثاً بذاته، إلى "صانع" وشريك في هذا الحدث.

ما تقدم سيكون له مجموعة من العوامل المساعدة في إنجاح هذه التجربة، لعلّ أولها الاتفاق الحكومي على العناوين العريضة، والذي من شأنه أن يجعل للدولة اللبنانية قراراً موحداً في ما سيُطرح على مجلس الأمن، وكي توضع خارطة الطريق التي ستحكم عمل مندوب لبنان في الأمم المتحدة، وثاني هذه العوامل يتمثل في الاتفاق السياسي الداخلي على مجمل القضايا التي من شأنها أن تسبب إحراجاً لموقع لبنان بين الدول العربية والإقليمية، وثالثها سيتمحور حول نضوج موقف عربي موحد في شتى القضايا بعد الانقسام الذي كان حاصلاً، وأول بوادر هذا التوحد، والذي لا شك سيساهم في تحسين "الموقع" اللبناني، هو التقارب السعودي السوري الحاصل، والذي من المنتظر أن يفَعّل أكثر في الأيام المقبلة، وتوّسع دائرة بيكاره.

الحضور الخارجي

تجمع الأوساط اللبنانية، السياسية والقانونية، على الاعتراف بأهمية هذا الحدث الذي "من شأنه إعادة الحضور اللبناني في المحافل الدولية من بوابة عريضة اسمها مجلس الأمن"، وتتناول هذه الأوساط موضوع انتخاب لبنان اليوم بكثير من "التفاؤل" المصحوب بـ"ترقب يفرضه الواقع اللبناني والواقع العربي"، لكنها في نفس الوقت تؤكد على ضرورة أن "يستفيد لبنان من هذه الفرصة الذهبية في مجالات عدة، أبرزها تأكيد حضوره الديبلوماسي وتفعيله لأن الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى، إضافة إلى متابعة القرارات الدولية المتعلقة بلبنان إن لجهة تطبيقها بشكل كامل ومتناسب مع السياسة اللبنانية أو لجهة منع تعطيل أي قرار من شأنه أن تكون له مفاعيل إيجابية على الساحتين الداخلية والخارجية".

"التقارير الديبلوماسية" التي وصلت إلى قصر بسترس قبل أسبوع، ذكرت أن "لا إحصاء دقيقاً لعدد الدول التي ستنتخب لبنان، لكنها توقعت أن يكون أكثر من 120 دولة، وستكون إسرائيل في طليعة الدول المعارضة"، وسيترأس جلسات مجلس الأمن في أيار المقبل لمدة شهر وفقاً للتناوب المعمول به لدى الدول الأعضاء، لكن الأهم أن الدول الخمس الكبرى صاحبة العضوية الدائمة في مجلس الأمن تؤيد جميعها انتخاب لبنان، ولعل حماسة نائب الرئيس الأميركي جوزف بايدن، تعبر عن رغبة حقيقية لدى المجتمع الدولي في أن يكون لبنان هو الممثل "الرئيسي" للدول العربية في المحافل الدولية.

وبانتظار أن تتم جلسة الانتخاب، التي من غير المتوقع أن تحمل معها أي مفاجأة، يستعد لبنان لهذه العضوية بطريقة ليست "على قدر الآمال المعقودة من ناحية التحضير والتنظيم"، على أمل أن يبدأ العمل لتحسين موقع لبنان الديبلوماسي بعد عملية الانتخاب بحسب ما ذكرت بعض الأوساط المطلعة على الشؤون الخارجية للدولة اللبنانية.

"المستقبل" استمزجت بعض الآراء التي هي على تماس مع هذا الحدث، ففيما يؤكد رئيس لجنة الخارجية في مجلس النواب النائب عبد اللطيف الزين على أهمية هذا الحدث، وأن "الموقف اللبناني في السياسة الخارجية موحد"، يتخوف النائب بطرس حرب من أن "تنعكس" الأجواء العربية والخلافات الحاصلة "على الدور الذي سيلعبه لبنان في أروقة مجلس الأمن"، أما الخبير في القانون الدولي شفيق المصري، فينظر إلى الأمر "من جهة استعادة لبنان لموقعه الديبلوماسي والاستفادة من هذه العضوية لتحقيق المكتسبات التي تعني الدولة اللبنانية والعالم العربي".

موقف لبنان.. موحد خارجياً

ينظر رئيس لجنة الخارجية النائب الزين، إلى انتخاب لبنان في مجلس الأمن بأهمية كبيرة و"يشكر الدول العربية والأخوة العرب الذين سمّوا وأيدوا لبنان لهذه المهمة، وهذا الانتخاب يمثلهم جميعاً"، ويضيف الزين: "علينا أن نستغل هذا الظرف، والفرصة الى ذلك تكون كبيرة إذا أبصرت الحكومة النور في الساعات القليلة المقبلة".

ويعترف رئيس لجنة الخارجية أن "المسؤولية كبيرة"، لكنه يرى "أن لبنان كدولة صاحبة استقلال وسيادة سيلعب الدور المناسب في هذا الموقع الكبير"، مشيراً إلى أن "موقف لبنان في السياسة الخارجية موحد وسيبقى كذلك في كافة الأمور التي لها علاقة مباشرة بنا".
لكن الزين يعترف أن "ليس هناك من تحضيرات مسبقة لهذا الانتخاب، أو أي خطة عمل تلي وصول لبنان إلى عضوية مجلس الأمن"، إلا أنه يلفت بأن التواصل مستمر مع مندوب لبنان في الأمم المتحدة عن طريق وزارة الخارجية"، مؤكداً في الوقت نفسه "العمل على تفعيل هذا التواصل وتفعيل دور لجنة الخارجية بعد أن يتم انتخاب لبنان اليوم".

الخوف من الخلافات العربية

من جهته، يعتبر حرب أن الانتخاب يدخل "في عملية المداورة بين الدول العربية"، وهو ما "يجعل لبنان عضواً يمثل المجموعة العربية ويجعله السلطة التقريرية في الأمم المتحدة، وهو حدث هام يؤمن للدولة اللبنانية موقعاً متقدماً على الساحة الدولية"، ولكن عضو لجنة الخارجية في مجلس النواب يلفت إلى أنه "في ظل الأجواء الحاصلة في العالم وفي المنطقة والمبادرة التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما للسلام في الشرق الأوسط، يجب على لبنان أن يكون حاضراً ومشاركاً في القرارات التي ستصدر عن مجلس الأمن وهذا الأمر قد لا يكون مفيداً بقدر ما يكون محرجاً".

ويشير حرب إلى أن "لبنان لن يصوت كدولة بل باسم الدول العربية مجتمعة، وهذا ما يعطيه موقعاً مميزاً في القرار الدولي ويجب أن يوظفه في المصلحة الداخلية والمصلحة العربية بشكل عام"، لكن الخوف بحسب حرب "أن تجعل الخلافات العربية لبنان في موقع حرج في محطات معينة، فالاتفاق بين الدول العربية المعنية يسهل دور لبنان في كافة المحطات التي سيواجهها في المجلس، أما في حال وجود الخلافات، فهذا يستدعي أن يكون هناك تفاهم على كافة الأمور التي سيطرحها المجتمع الدولي في مجلس الأمن والتي تخص الدول العربية بشكل عام".

عن دور لجنة الخارجية، يقول حرب: "عليها أن تقوم بدورها وتكون أكثر قرباً من الأحداث لكي تستطيع ممارسة هذا الدور، وهي التي لها أن تكون الناصح والمستشار في الظروف الصعبة وفي القرارات التي تحتاج إلى دراسة حذرة قبل الموافقة عليها أو اتخاذ أي قرار بشأنها"، ويختم حرب بالتأكيد على "أهمية وإيجابية انتخاب لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن والمخاوف يجب أن لا تقيده عن ممارسة دوره في المحافل الدولية".

دفع ديبلوماسي

يقدم المصري قراءة لهذا الحدث من وجهة نظر قانونية، ويقول إن "لبنان يحظى بالأكثرية من أجل انتخابه عضواً غير دائم في مجلس الأمن، والسبب في ذلك أن الدور قد أتى على لبنان ليمثل الدول العربية في الصرح الدولي، وهو قد حظي أيضاً بتأييد الدول الكبرى، ومن المستبعد أن يصادف أي عقبة في هذا الإطار"، وينطلق المصري من واقع "لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن"، ليتحدث عن "مكاسب كبيرة للدولة اللبنانية من هذا الانتخاب والموقع الذي سيحتله لبنان، الذي سيستعيد دوره في الأمم المتحدة ومجلس الأمن بعد أن كان من الأعضاء المؤسسين في أربعينات القرن الماضي".

ويعتبر المصري أن "انتخاب لبنان سيعطيه دفعاً ديبلوماسياً جديداً عليه الاستفادة منه إلى أقصى الحدود، كما أنه سيؤمن له مكسباً سياسياً، إذ أنه سيصبح على تماس يومي مع الدول الأعضاء والدول الدائمة العضوية، واتصال شبه يومي مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وعليه الاستفادة من هذا الواقع للدفاع عن القرارات الدولية التي تصب في مصلحة لبنان ومتابعتها بشكل جدي ومباشر".

ولا تقتصر عضوية لبنان على هذا الحد، بل إنه سيمثل الدول العربية في مجلس الأمن، وبالتالي يقول الخبير الدولي إن "مسؤولية لبنان كبيرة وعليه أن يتحملها بجدارة خلال السنتين المقبلتين على عضويته"، وإذ يعود ليؤكد على "المكسب الديبلوماسي الكبير الذي سيحققه لبنان"، يتناول المصري طريقة تصرف لبنان خلال فترة عضويته في ما خص السياسة الخارجية والتناقضات الداخلية الحاصلة، ليقول: "سياسة لبنان الخارجية تقوم على مبادئ لا تتغير وخارطة الطريق موجودة لدى الدولة اللبنانية وليس عليه سوى اتباعها"، مشدداً في الوقت نفسه أن "على ممثل لبنان في مجلس الأمن أن يُمارس المداراة السياسية كي لا تصل الصراعات الداخلية للتأثير على السياسة الخارجية".

البيان الحكومي.. يسهل المهمة

وبحسب المصري، فإن "السلاح خارج سلطة الدولة والقرار 1701 وكيفية تطبيقه وضمان عدم خرقه، إضافة إلى ضبط الحدود بمساعدة القوات الدولية أو من دونها، كلها قرارات قد تسبب إحراجاً للبنان في مجلس الأمن إذا لم تحل من خلال البيان الوزاري للحكومة المقبلة"، ولكن الخبير في قانون الانتخابات ينتقد الحكومة اللبنانية لجهة أنه "كان عليها أن تسعى إلى تجييش ديبلوماسي أكبر من أجل الانتخابات وما بعدها، لا سيما أن إسرائيل كانت قد قدمت شكوى بالأمس بحق لبنان بعد الانفجار الذي حصل في الجنوب".

على المستوى التنفيذي، يلفت المصري إلى أنه كان "مطلوباً أن يكون هناك طاقم عمل مجهز لهكذا مناسبة وما يليها مباشرة"، ويضيف: "عندما يصبح لبنان في مجلس الأمن، فهناك مجموعة من الأمور التي يقتضي أن يكون مطلعاً عليها أولها أهمية التوجيه عشية المفاوضات العربية والاقليمية، والاتفاق مع الدول العربية كي يستطيع أن يتنبى القضايا بصدقية تامة، كما أن لبنان لديه القرارات الخاصة به التي يجب أن تبقى العين ساهرة على تطبيقها وتفعيلها، وعلى عدم السماح بتعطيل هذه القرارات".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل