لبنان للمرة الأولى منذ 1954 عضواً اليوم في مجلس الأمن
تنتخب الجمعية العمومية للأمم المتحدة الخميس لبنان عضواً غير دائم مدة سنتين في مجلس الأمن، ليعود الى مكان احتله عامي 1953 و1954، في مهمة وصفها المندوب اللبناني الدائم لدى الأمم المتحدة السفير نواف سلام لـ"النهار" بأنها "مستحقة لبلدنا". وإذ وعد بأن يكون لبنان "صوتاً واضحاً وقوياً" في الدفاع عن قضاياه والقضايا العربية والعالمية العادلة، رفض أن يبقى هذا البلد "ساحة للآخرين" في "لعبة الأمم"، ولفت الى أن لبنان سيكون هذه المرة "جالساً الى الطاولة وليس موضوعاً على الطاولة" وطرفاً في صنع القرار الدولي وليس متلقياً له فحسب.
وللمرة الأولى منذ عام 2004، سيفوز لبنان (مكان ليبيا عن أحد المقعدين غير الدائمين لقارة آسيا منهما واحد للدول العربية) وأربع دول أخرى، هي البوسنة والهرسك عن أوروبا الشرقية، ونيجيريا والغابون عن أفريقيا، والبرازيل عن أميركا اللاتينية، بالتزكية ومن دون أي منافسة بعدما اتفقت المجموعات الإقليمية على ترشيحها، على أن تخرج من المجلس في نهاية السنة الجارية ليبيا ومعها فيتنام وكوستاريكا وبوركينا فاسو وكرواتيا.
وفي تصريح هو الأول له عن لبنان منذ تعيينه في المنظمة الدولية، قال المندوب الفرنسي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير جيرار آرو لـ"النهار": "نحن سعداء بصورة خاصة بالإنتخاب المقبل للبنان في مجلس الأمن"، مشيراً الى أن "لبنان كان دوماً قريباً من قلب فرنسا". وأضاف: "أنا واثق من أن لبنان سيكون مساعداً للغاية في جهود مجلس الأمن للمساهمة في السعي الى السلام في الشرق الأوسط وأبعد من هذه المنطقة، من أجل توسيع مسألة السلام والأمن في العالم".
وقلل السفير سلام شأن عدم تأليف حكومة جديدة في لبنان، الذي لديه أكثر من ملف على طاولة مجلس الأمن، كما أن هناك الكثير من القضايا العربية الكبرى أمام المجلس أهمها قضية فلسطين والصراع العربي – الإسرائيلي. وقال إن موقف لبنان "ينطلق من الموقف العربي المرتكز على التنسيق القائم بين الدول العربية وجامعة الدول العربية بما يعكس الإجماع العربي". وأفاد أن "لبنان، كغيره من البلدان الصغيرة، معني أكثر من سواه بسيادة القانون الدولي ومعانيه، والقانون الدولي حماية للبنان باعتباره بلداً صغيراً يطمح الى علاقات تحكمها مبادىء المساواة والعدالة والإستقرار".
وسئل عن طريقة تعامل لبنان، وهو معني مباشرة بالصراع العربي – الإسرائيلي، مع قضايا الحرب والسلم العالميين، فأجاب أن "وضع حل دائم وعادل وشامل للصراع العربي – الإسرائيلي، هو من شروط ومتطلبات الإستقرار والسلم العالميين. وهذه المطالبة تخدم الأمن والسلم في العالم". وشدد على أن "لبنان سيكون صوتاً عربياً واضحاً في مجلس الأمن، وستكون هذه مناسبة له للدفاع عن قضاياه العادلة التي لا تتعارض أصلاً وموجبات الأمن والسلم الدوليين"، موضحاً أن "لبنان يلتزم دوماً قرارات الأمم المتحدة، أكانت صادرة عن مجلس الأمن أم عن الجمعية العمومية أم عن محكمة العدل الدولية وغيرها من مؤسسات الأمم المتحدة، ويدعو الى تطبيقها".
وعن الطريقة التي سيتعامل بها لبنان عندما يطالبه مجلس الأمن بتنفيذ قرارات دولية عدة وخصوصاً القرارين 1559 و1701، قال: "نحن نلتزم هذه القرارات ونطالب أيضاً بتنفيذها. وجود مقعد لنا في مجلس الأمن يمنحنا منبراً للمطالبة من داخل المجلس بالتنفيذ الكامل لمندرجات القرار 1701، ولاعطاء فهمنا للقرار 1559. وهذا الفهم يختلف عن التفسيرات الأخرى لهذا القرار". وأضاف: "نحن لا نعتبر حزب الله ميليشيا بل هو حال مقاومة. إن معالجة موضوع سلاح حزب الله جار في اطار حوار داخلي بين اللبنانيين. وبهذا المعنى، نحن نواكب القرار 1559 الذي لا يدعو أصلاً الى نزع سلاح حزب الله بالقوة. وموضوع مستقبل سلاح حزب الله ودوره في السياسة الدفاعية والعلاقة بينه وبين الجيش، كلها أمور نتعامل معها على طاولة الحوار الوطني في لبنان".
وأكد أن "لبنان سيكون في داخل مجلس الأمن وسيدافع عن حقه كما يدافع عن القضايا العربية وبصوت عال". وذكر أن "لبنان ليس الدولة الأولى التي تدخل مجلس الأمن ولها قضايا تخصها أمام المجلس"، مستشهداً على سبيل المثال بسوريا ومصر، الى تركيا "وهي طرف معني بقضية قبرص المعروضة أمام المجلس"، وكذلك روسيا المعنية مباشرة بالصراع مع جورجيا، والولايات المتحدة المعنية مباشرة بقضية العراق. وهناك دول أفريقية كثيرة دخلت مجلس الأمن وكانت لها قضايا معروضة على المجلس.
وشدد على ان "لبنان خرج من الحرب وطوى صفحة مريرة من ماضيه وهو يمر بأزمات سياسية على غرار سواه من الدول"، غير أن "وضع لبنان أمتن وأصلب من وضع البوسنة والهرسك التي ستفوز بالتزكية أيضاً". وقال: "يجب ألا ننسى أن بلجيكا كانت عضواً في مجلس الأمن حين وقعت في أزمة سياسية محكمة قبل سنتين".
ولفت الى حالات حصلت لأعضاء في مجلس الأمن، امتنعت فيها دول عن التصويت على قرارات معنية بها. فعندما كانت رواندا عضوا في مجلس الأمن عام 1994 وحصلت الإبادة الجماعية فيها، منعت من التصويت على القرارات. وعندما انهارت الحكومة في رواندا، طلبت بقية الدول من مندوبها عدم المشاركة في أعمال مجلس الأمن وكانت القرارات تصدر بأكثرية 14 صوتاً فقط.
وفي ما يتصل بالقضايا العربية وأبرزها قضية فلسطين، لاحظ أن "عدم حل هذه القضية من علامات ضعف الأمم المتحدة وفشلها. لبنان من مؤسسي الأمم المتحدة ونحن معنيون بهذه المنظمة الدولية وفاعليتها. ولبنان سيضطلع بدور ريادي وسيكون صوتاً قوياً في الدعوة الى اصلاح مجلس الأمن، ليكون أكثر تعبيراً عن متغيرات العالم".
ثم قال: "نحن نرفض أن يبقى لبنان ساحة للآخرين. ولبنان هنا يستعيد دوره كدولة. وسيكون جالساً الى الطاولة وليس على الطاولة كموضوع للبحث. نعم، نحن نتأثر بمحيطنا، ولكن أعتقد أن غالبية اللبنانيين ترفض استمرار التعامل معهم كساحة". وإذ تساءل: "لماذا يريد بعضنا أن يبقى لبنان طرفاً متلقياً في لعبة الأمم؟"، أكد أن "هذه مناسبة لأن يقول لبنان كلمته، نعم، في لعبة الأمم… نحن بلد صغير ونحمل قضايا القانون الدولي وهمومه وسيادته وندعو الى احترام قرارات الأمم المتحدة وتنفيذها. هذه هي رسالتنا الكبيرة وهي من صلب ميثاق الأمم المتحدة ونحن قادرون على ذلك. ولا أعتقد أن هناك خلافاً داخل لبنان على هذه الأمور. وستكون هذه مناسبة ليتجدد الإجماع الوطني اللبناني على هذه الأمور الكبرى".
ورأى أن "دخول لبنان مجلس الأمن يمكن أن يكون محفزاً لنا لترسيخ الإستقرار في البلاد وتعزيز وفاقنا الداخلي. نحن نريد أن نتحول من ساحة الى دولة ومن مفعول به الى فاعل. هذه فرصة أمامنا ويجب أن نغتنمها".
وكرر "أننا من مؤسسي الأمم المتحدة ونحن معنيون بهذه المنظمة وفاعليتها. ولبنان سيضطلع بدور ريادي وسيكون صوتاً قوياً في الدعوة الى اصلاح مجلس الأمن ليكون أكثر تعبيراً عن متغيرات العالم. هناك قوى صعدت وقوى تراجعت وعدد الدول تضاعف، لذلك تجب اعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن وآليات عمله. نحن سنكون مع مجلس أمن أكثر شفافية وأكثر فاعلية وأكثر تمثيلاً".
وهل يطالب لبنان كما فعلت ليبيا بمقعد دائم في مجلس الأمن؟ أجاب أن "قضية إصلاح مجلس الأمن لا تزال قيد النقاش، فهناك مثلاً خيار زيادة عدد المقاعد الدائمة. هناك الآن مقعد عربي دائم في مجلس الأمن، لكنه لا يتمتع بحقوق الدول الدائمة العضوية في المجلس، مثل حق النقض. هناك موقف عربي عبرت عنه ليبيا، بأنه إذا اتجهنا الى هذا الخيار، سيطالب العرب بمقعد دائم مع الغاء حق النقض أو على الأقل تنظيم هذا الإمتياز والحد من مساوئه".