نجار: العدالة واحدة لا تقبل اي اصطفاف سياسي او ديني او مذهبي
تمنى وزير العدل ابراهيم نجار أن يستعاد تقليد افتتاح السنة القضائية سنة فسنة كما كان في السابق، وأشار إلى أن "الحقيقة اننا كنا صممنا إقامةَ هذا الاحتفال منذ سنة، إلا ان الظروف شاءت ان ننتظر إكمال التشكيلات القضائية، مع ما يرافقها من توزيع أعمال وزيادة في عدد القضاة وإعادة عجلة العدلية الى وتيرتها."
نجار، وفي كلمة له خلال افتتاحه السنة القضائية في قصر العدل في بيروت، توجه إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان قائلاً: "ان حضوركم، فخامة الرئيس، مع صاحبي الدولة هو بنظرنا فعل ايمان، بأن مؤسسات لبنان عادت تدريجيا وبثبات الى فعاليتها بعد رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والحكومة، وبأن المرفقين القضائي والقانوني في لبنان هما قطبا امتياز وحداثة في هذا الشرق، وبأن العدالة في هذه البلاد في طريقها لاستعادة بريقها، فاستقلال القضاء يواكب هيبته".
تابع قائلاً: "ولان العدالة تنطلق من ضرورات المجتمع والسلم الاهلي والسلامة العامة وصدقية الحكم والمؤسسات، من جهة، ومن القيم السامية التي يمثلها الانسان، من جهة اخرى، كان إصرار يومي على ان تكون العدالة فاعلة وسريعة ومتطورة وحازمة، تماما كما كان التركيز على أنسنة الغاية المحورية للعدل في مفهومه اليومي. لن استعيد، فخامة الرئيس، ما تمّ تحقيقه في سبيل تمكين القضاء الصالح من اداء مهامه، ولن أذكّر بالمساعي اليومية والجهوزية الكاملة التي رافقت تحديث وزارة العدل، من خلال المكننة، وزيادة عدد القضاة، ووضع آلية تعيين ما يحتاجون اليه من مساعدين وغيرهم من الناشطين القضائيين والقانونيين، في قطاعات شتى، لكنني لن أنسى ان تلك الجهود قد لاقت إلتحاما مع تفاعل القضاة والزملاء المحامين، فانتجت مجلسي قضاء أعلى في ظرف سنة واحدة، وأثمرت اعمالا هادفة في اتجاه إعادة التأهيل، والتطور العازم على مواكبة الثورة التكنولوجية، بعد اعوام من الركود والرتابة، وفي انفتاح غير مسبوق على العالم القانوني، شرقا وغربا، لا سيما في مجالات حقوق الانسان وهي متعددة."
ولفت نجار إلى انه "كان من الطبيعي ان نضفي عنوانين اثنين على هذه المراهنة على بعث المرفق القضائي والقطاع القانوني: العنوان الاول: هو الاتجاه نحو فعالية أكثر في عمل القضاء، من حيث تسريع الاحكام، والسعي نحو الحد من التوقيف الاحتياطي، لا سيما مع إكتظاظ السجون، وتقصير مهل الدعاوى، واختصار الاجازات الادارية، من أجل الحد من الاختناق القضائي، تمهيدا لتطوير ما يمكن إقراره لتعزيز استقلال القضاء، لان سكوت القضاء احيانا ازاء بعض الحملات والتحامل لا يجوز ان يفسّر على انه ضعف او تراجع عن حيدته ومسؤوليته وموضوعيته. والعنوان الثاني: هو الدفع نحو أنسنة أكثر في ميزان العدالة، ليس فقط في بدء تطبيق فعلي لقانون تخفيض العقوبات، ومباشرة التحضير، وفق خطة خمسية لانتقال مسؤولية السجون، العام 2012، الى وزارة العدل، بل في مجال صياغة مشاريع قوانين لا بد من إقرارِها إذا شاء لبنان ان يبقى قبلة العالم المشرقي والعربي في تراثه الحضاري، هذا التراث الملازم ليس فقط لقدرته على التشريع بل لتطبيق ما يشرّع. وفي هذا الاطار لا بد مستقبلا من طرح اشكاليات عدة منها ما يتصل بالمحاكم الاستثنائية ومنها ما قد يطال الأحكام والقرارات التي لا تقبل طرق المراجعة".
أضاف: "فخامة الرئيس، تحديات كبرى تنتظرنا. معظمها موقوف على قدرة مؤسسات لبنان الدستورية على استعادة توازنها وفعاليتها المتفقة مع احكام الدستور، وهو القانون الاساسي، ومع الاعراف، ومقتضيات السلم الاهلي وتراثِنا الحضاري والتوافق المجتمعي، لكنني أود في هذا الافتتاح ان أؤكد لكم بعض المسلمات التي لا بد وان تفرض نفسها على اي إصلاح في المرفق القضائي: اولا: ان العدالة هي واحدة، خصوصا في لبنان، انها وحدة لا يمكنها ان تتجزأ، ولا تقبل في أبعادها وأسسها اي اصطفاف، لا سياسي ولا ديني، ولا مذهبي ولا عرقي. لان القانون والدستور لا يمكن تجزئتهما، فالقانون لا يكون قانونا إلا اذا كان واحدا، اعني سائدا، على الجميع، دون تداخل بين السياسة والقانون والقضاء. فالمصلحة العامة هي الضابط الاسمى والواحد والوحيد في لبنان.
ثانيا: ان مستقبل لبنان وقدرته على التغلب على الصعاب والازمات تبدأ ايضاً من خلال هيبة القانون والاحكام، فتفرض نفسها، وتوجه رسالة لمن يعتبر بحيث لا يتحول الافلات من العقاب الى ثقافة. فدولة القانون هي قبل كل شيء دولة يقوم فيها القضاء بواجباته ويحترم فيها المواطن أحكامه، لانها تتصف بالعدالة والحزم، أي بالفعالية والأنسنة في آن معا. فالحكم القضائي ليس مجرد قرار يتخذه قاض منزو في ظلمة قاعة او على غفلة من المجتمع. ان "الاحكام"، كالنصوص، عليها ان تكون هادفة، مركزة، متعالية عن اي اعتبار غير المصلحة العامة.
ثالثا: أقر واعترف، وعلى رغم كل ما يشوب حياتنا السياسية، انني لم ألق من الرئاسات الرفيعة القيّمة على حياتنا الدستورية، إلا كل تعاون وإقدام وشجاعة في المشاركة في القرارات التي أسهمت في السعي الى إعادة المرفق العدلي الى طبيعته وتراثه وتوجهه نحو مستقبل واعد.
لكن، رغم هذا كله، يبقى توافقنا السياسي وما يتخبط به احيانا، عائقا في مسيرة الثقة التي يتعين علينا الايحاء بها لأولادنا وللاجيال الطالعة.
لذلك، دعوني، فخامةَ الرئيس، أعلن فعل ايمان آخر، انه ايماني بأن العدالة في لبنان لا تزال ممكنة، لان لبنان مشروع ممكن، لان دولة لبنان مغامرة لا بد من المراهنة فيها على العنصر البشري، وهو، في لبنان أبرز ما لدينا من تراث وأغلى ما نبني عليه مستقبلنا.
فإذا أثبت القضاء وجوده، كان للدولة ان تنوجد. والعكس بالعكس.
وهذا مستقبل يليق بكم، ايها الرؤساء والسادة، ويليق بما نطمح اليه أبدا مع اللبنانيين."