لبنان والفرص الضائعة
كلما لاحت علامات الفرج واستعد اللبنانيون لتنفس الصعداء مع اقتراب انتهاء الأزمة السياسية وتشكيل الحكومة العتيدة لتولي مسؤولياتها العديدة في مواجهة التحديات المعيشية والأمنية داخلياً وإقليمياً، تعود العُقد لتعثّر مسيرة التأليف وتُعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، بالرغم من إصرار جميع الاطراف على حسن النوايا في تسهيل المهام وفتح أبواب الحوار.
وتبقى هذه الأزمة التي تُبقي البلاد من دون حكومة فاعلة تدير شؤون الناس أم المهازل، في حين دخل لبنان مجلس الأمن ولكن من دون رؤيا أو استراتيجيا واضحة لاستثمار هذا المركز من تعزيز تمثيله دولياً وتحصين أمنه من أي اعتداء اسرائيلي محتمل، بسبب غياب المؤسسات المخططة (الموجودة في سائر دول العالم) واعتبار الوزراء الحاليين أنفسهم في موقع تصريف الأعمال فقط لا غير، من دون القيام بأي مبادرة إضافية.
ومن ضمن الفرص التي امتهن السياسيون إضاعتها على الوطن وأبنائه، سلسلة الزيارات التي يقوم بها الرئيس سليمان الى دول القرار في العالم، والتي يغيب عنها الوفد الوزاري المنتج القادر على توقيع الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية بما أن الحكومة الحالية تُصرّف الأعمال ليس إلا.
أما الوضع الاقتصادي، فهو الضحية الأكبر لفشل التسوية التي تسمح بتشكيل حكومة جديدة، فالأزمة الاقتصادية العالمية باتت محلية وتُطبق الخناق على المؤسسات في مختلف المجالات، خاصة الصناعية ومؤخراً الإعلامية.
فبالإضافة إلى ارتفاع أعداد اللبنانيين العائدين من المهجر والعاطلين عن العمل، تقوم عدّة مؤسسات من قطاعات مختلفة بتسريح أعداد كبيرة من العاملين بسبب عجزها عن الاستمرار في الإنتاج بوجود منافسة صناعية خارجية وغياب دعم الدولة وسياساتها الإنمائية لهذا القطاع، فإذا بالصادرات متجهة إلى التدني والديون في ارتفاع مستمر.
اما الدين العام، فهو الكابوس الأكبر والذي يعجز حلم السياحة المزدهرة عن مواجهته، بسبب التفاوت في القوى: فقوة الدين أشدّ إيذاء من قدرة السياحة على إحداث تغيير إيجابي كبير في ميزانية الخزينة. أما المستثمرون، والذين يعول لبنان على دعمهم المستمر، فهم في موقع المتربص حتى تحدد المرحلة المقبلة مسار الأزمة ومدى ارتداداتها على الاستقرار الداخلي، وهو الإشارة الخضراء الوحيدة التي تُطلق عنان الاستثمارات الخارجية في لبنان أو تلجمها إلى أجل غير محدد.
فرص كثيرة، أهمها اقتصادية ومعيشية تضيع في وقت اللبناني بأشد الحاجة إليها لتُكسبه بعض المناعة في وجه الأزمات والمخاطر المحدقة به… وأخرى سياسية إقليمية طال انتظارها ولما حصلت صُدم اللبناني بضياع ارتداداتها هباء والترقب لأُخر، على الأرجح لن تحصل، فمعادلة (س – س) التي حصلت كمعجزة في وقت فقد الأمل منها، مرّت مرور الكرام على الداخل اللبناني، وتم الاكتفاء بالمجاملات الاجتماعية من دون الدخول إلى لب الخلاف السياسي لحله جذرياً، وباتت الأزمة الحكومية تنتظر معادلة جديدة، وشبه مستحيلة هي (إ – أ).
هل قدر لبنان أن يحل أزمات العالم الكبرى من هذه البقعة الصغيرة، والتي تتخبط بمشاكلها الداخلية وتعجز عن حلها؟.
ويبقى السؤال: ماذا بعد (أ – إ)؟.