رفض أميركي لبحث الملف اللبناني مع سوريا وإيران
غياب العوامل الضاغطة يُطيل تأخير الحكومة
تكشف مصادر ديبلوماسية واسعة الاطلاع ان المسؤولين الاميركيين الذين استقبلوا نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد بداية الاسبوع الماضي في واشنطن رفضوا البحث معه في اي شأن يتعلق بالوضع الداخلي اللبناني، وتحديدا الوضع الحكومي . وينقل عن هؤلاء المسؤولين محاولة المقداد استدراج الاميركيين الى البحث في موضوع لبنان من خلال تأكيد الديبلوماسي السوري ان بلاده ساهمت اخيرا في التوصل الى الصيغة الحكومية التي اتفق عليها من أجل تأليف الحكومة العتيدة، اي صيغة 15-10-5 ، وهي مستعدة تالياً لان تسهل ولادة الحكومة التي لا تزال متعثرة . الا ان هذه الاستعدادات لم تجد الصدى المطلوب لدى المسؤولين الاميركيين الذين افسحوا المجال للكلام مع الديبلوماسي السوري عن لبنان، فقط من الباب الذي تصر الادارة الاميركية على التمسك به وتشدّد عليه علنا، اي تأكيد للسوريين ضرورة احترام استقلال لبنان وديموقراطيته وعدم التدخل في شؤونه . وابدى هؤلاء المسؤولون ثقتهم بقدرة اللبنانيين على حل امورهم بأنفسهم وضرورة قيامهم بذلك من دون اي تدخل خارجي، انطلاقا من ان المجال مفتوح امام الجانبين الاميركي والسوري لتبادل الرأي، ولكن ليس للتفاوض في اي شكل على الوضع اللبناني. ولذلك اعلن احد الديبلوماسيين الاميركيين ان لبنان كان في المحادثات بين الجانبين وليس في المفاوضات بينهما التي تتناول العلاقات الثنائية وشؤونا اخرى .
هذا الموقف ينسحب وفق المعلومات نفسها، وان بقوة أكبر على رفض البحث مع ايران في موضوع لبنان، انطلاقا من انها باتت تملك تأثيرا كبيرا على الارض وتشكل مفتاحا مهما في سياسة المنطقة. ومع ان هذه النقطة لم تثر تفصيلا في شأن لبنان ، فان ايران طلبت من الاميركيين ومن الاوروبيين ان يُفتح باب التفاوض معها ليس على ملفها النووي فحسب، بل ايضا في عدد كبير من الملفات في المنطقة، بدءا من افغانستان وصولا الى لبنان مرورا بالعراق والوضع في الخليج وسائر المواقع التي تعتبرها ايران جزءا لا يتجزأ من استراتيجيتها اكثر من اي يوم مضى، وتلك التي بات لايران نفوذ كبير فيها . لكن الجواب الاوروبي كما الاميركي كان رفضا قاطعا لتوسيع جدول اعمال البحث الى ما يتعدى الملف النووي . ووفقا للمعلومات الديبلوماسية نفسها، اذا كان المجال مفتوحا لدى الغرب وتحديدا لدى الاميركيين لتبادل الرأي مع سوريا بما يمكن ان يتناول الشأن اللبناني مع الاصرار في كل مناسبة على ان اي بحث ثنائي بين الطرفين لن يكون على حساب لبنان ، فان هذا الامر غير مفتوح اطلاقا امام ايران لجهة البحث معها في الموضوع اللبناني تحديدا . ويستند كثر في اثارة تساؤلات وحتى مخاوف في هذا الاطار، الى ما سبق ان نسب الى مسؤولين او مواقع ايرانية قبل اشهر قليلة من اعلان الرغبة في شمول اي محادثات مع الغرب، بدءا من الملف النووي الى الاوضاع في افغانستان والعراق ولبنان . وهو امر لا تنفيه المصادر المعنية باعتبار ان الطموح الايراني موجود فعلا ، لكنّ بين الطموح وربما السقوف المرتفعة للشروط والواقع بوناً شاسعاً، أقله في ظل المعطيات الراهنة . والمقصود بهذه المعطيات ان الظروف السياسية الخارجية وكذلك الوضع الداخلي الايراني بعد الانتخابات الرئاسية في حزيران الماضي والتحديات الكثيرة التي يفرضها في اتجاهات متعددة قد لا تتوافر لإصرار ايران على البحث مع الغرب في جملة قضايا ومواضيع حساسة وتوسيع جدول الاعمال الى ما يتعدى الملف النووي الايراني . ومعلوم ان مواضيع تتعلق بالحريات والحقوق الانسانية يتمسك بها الغرب في المبدأ ويرفعها شعارا للتعامل مع الخارج او حتى يوظفها سياسيا. وفي هذا الاطار اظهر التعامل الاخير مع ايران عدم توقف الدول الغربية عندها او الصمت عليها كليا، وهو امر قد يعود عنه بسهولة اذا رفعت ايران سقف شروطها كالتفاوض في قضايا اخرى غير الملف النووي متى كان الغرب غير راغب في البحث في هذه المواضيع راهنا .
هل تكمن العقدة الخارجية في تأليف الحكومة في ما تكشفه هذه المعلومات، ام ان العقد تحولت داخلية صرفة بعد القمة السعودية السورية ؟
تصيب الخشية التي تساور عدداً كبيراً من السياسيين اللبنانيين حيال عدم تأليف الحكومة خلال الايام القليلة المقبلة وكنتيجة عملية بعد القمة السعودية السورية التي عقدت في دمشق الاسبوع الماضي، الاوساط الديبلوماسية المتابعة باعتبار انه اذا كان زخم القمة ونتائجها لم تؤد الى بت الملف الحكومي اللبناني ، فمن الصعب ان يحصل ذلك في المدى القريب لغياب العوامل المؤثرة والضاغطة التي يمكن ان تفعل فعلها في هذا الاطار . وهذا الامر يفتح الباب على عوامل قد تتخطى الوضع السياسي وتطول الوضع الامني مثلا وفق سيناريو يتكرر بين آونة واخرى، فضلا عن عودة الكلام او بالاحرى الاتهامات للخارج او لاسباب خارجية بما قد يعيد لبنان الى دوامة التأزم الشديد مجددا. لكن نفحة التفاؤل بولادة حكومية قريبة لا تتعدى مطلع الاسبوع المقبل لم تتبدد . اما في حال عدم حصولها قريبا فعندئذ سيكون المجال مفتوحا على كل انواع التساؤلات.