#adsense

“الطاشناق” بين الاعتبار التاريخي ـ العاطفي والاعتبار الإقليمي ـ الإيراني

حجم الخط

الاتفاقية الأرمينية ـ التركية تلبّي مصالح جمهورية أرمينيا "بلا شروط" وتخلط الأوراق داخل الأحزاب الأرمنية في الشتات
"الطاشناق" بين الاعتبار التاريخي ـ العاطفي والاعتبار الإقليمي ـ الإيراني 

نهاية الأسبوع الماضي، وقّع وزيرا خارجية تركيا وأرمينيا إتفاقيةً بين البلدين. ويحتاج الإبرامُ والتوقيع "النهائي" الى مصادقة مجلسَي النواب التركي والأرميني.
ستهتمّ السطور اللاحقة بـ"الجانب الأرميني" تحديداً من هذا الاتفاق، لا سيما أن بين اللبنانيين نسبةً فاعلة من الأرمن جمعوا تاريخياً بين لبنانيتهم وبين دفاعهم عن "القضية الأرمنية".

الإتفاق ينهي الحصار التركي على أرمينيا

بالنسبة الى الجانب الأرميني إذاً، تكمنُ أهمية الاتفاق عندما يتم إبرامه في انه يُنهي حصاراً فرضته تركيا على أرمينيا منذ استقلالها في العام 1991، وهو حصارٌ كان له هدف الضغط على الدولة الأرمينية الفتية كي "تتخلى" عن إقليم ناغورني كاراباخ الذي تطالب به أذربيجان بدعم تركي. كما تكمنُ أهمية الاتفاق عندما يتم إبرامه – في كونه لا يتضمن شروطاً سياسية تركية على أرمينيا، أي انه لا يربط إنهاء الحصار بشروط من نوع التخلي عن ناغورني كاراباخ.

الفائدة الأرمينية من فتح الحدود

والحال، أن ثمة إهتماماً أرمينياً بإنهاء الحصار التركي، أي بإعادة فتح الحدود مع تركيا. ذلك أن لأرمينيا فضلاً عن حدودها المغلقة حتى الآن مع تركيا، حدوداً مع إيران وحدوداً مع جورجيا. وتؤكد المعطيات المتوافرة أن لا استفادة ارمينية حقيقية من حدودها المفتوحة مع إيران لأسباب شتّى منها ضعف الاقتصاد الإيراني عموماً ومنها أنّ إيران نفسها بفعل أزمة علاقاتها الإقليمية والدولية في حالة أشبه ما تكون بحالة الحصار، فكيف إذا فُرضت عقوبات دولية على إيران؟. أما الحدود مع جورجيا، فبالرغم من أنها مفتوحة، فإن الاستفادة منها منعدمة، نظراً الى حال عدم الاستقرار في هذه الدولة التي استقلت في العام 1991 أيضاً.. تزامناً مع إنهيار الاتحاد السوفياتي آنذاك.
إن دولة أرمينيا مهتمة بفتح الحدود مع تركيا لأنه أي فتح الحدود يفتح أمامها طريقَي الشرق الأوسط وأوروبا، وأكثر من ذلك يؤدي الى فتح ما يمكن تسميته "خط إقتصادي" بين أرمينيا وتركيا والقوقاز وبين منطقتَي الشرق الأوسط وأوروبا.

إعتراض "الدياسبورا": إعتباراته

يجب الاعتراف بأن ثمة اعتراضاً من "الدياسبورا" الأرمنية – أي "الشتات" الأرمني على الاتفاق المذكور. ولم ينجح الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان الذي جال على التجمعات الأساسية في الشتات، ومن ضمنها بيروت، قبل نحو أسبوعين، في جسر الهوة بين موافقة أرمينيا الدولة وبين إعتراضات أرمن الشتات.

ينطلقُ الإعتراض من أن الإتفاق لا يتضمن إعترافاً تركياً بالمجازر العثمانية بحق الأرمن في مطلع القرن العشرين. وبالنسبة الى الشتات المتشكل من أبناء وأحفاد مهاجرين بسبب تلك المجازر، فإن ثمة مسألة "عاطفية" من جهة، لكن الشتات يعتبر انه هو والى حين قيام الدولة الأرمينية في العام 1991 حمل على عاتقه "القضية" و"الهوية" الأرمنيتَين من جهة ثانية. ويعتبر المعترضون أيضاً أن الإتفاق لا يضمن مصير ناغورني كاراباخ. ويرون في اللجان الأرمينية التركية المفترض قيامها بموجب الاتفاق "مشروعاً" للتشكيك التركي بـ"رواية المجازر" بما أن تلك اللجان موضوعة تحت عنوان "دراسة المسائل العالقة بين الشعبين الأرمني والتركي"، كما يقول المعترضون.

"واقعية" سركيسيان: إتفاق غير مشروط

ردّ رئيس جمهورية أرمينيا سركيسيان في جولاته على هذه الاعتراضات. أكد أن الاتفاق لا يتضمن اعترافاً تركياً بالمجازر العثمانية ضد الأرمن لكنه في المقابل لا يتضمن ما يجعل دولة أرمينيا تتخلى عن مطالبتها بالإعتراف التركي، خاصةً أن هذا الإعتراف شرط أوروبي "على" تركيا. وأكد أيضاً أن اللجان المفروض تشكيلها بموجب الاتفاق غير معنية بموضوع المجازر، لكن على إفتراض أن تشكيكاً تركياً أثير ضمن اللجان بالمجازر، فإن الجانب الأرميني سينسحب. وإذ حرص على أن يرافقه رئيس ناغورني كاراباخ في جولاته، أكد أن ناغورني كاراباخ إمّا أن يغدو جمهورية مستقلة أو أن ينضمّ الى جمهورية أرمينيا لكن لا تراجع.
لم تُقنع المرافعة السياسية ـ القانونية "الواقعية" المعترضين وتعرّض سركيسيان لـ"التخوين".. على الرغم من حرصه وهو يجول بإسم إجماع أرميني "داخلي" على التعاطي مع "أخوة الشتات".

"الطاشناق" يتصدّر الإعتراض

يتصدّر حزب "الطاشناق" الإعتراض في الشتات. وقد نظّم في بيروت تظاهرة أمام السفارة الأرمينية التي قذفت بالبيض. ونظّم تظاهرة أمام مقرّ إقامة الرئيس الأرميني. وقام أنصاره بتمزيق الإكليل الذي وضعه الرئيس سركيسيان على نصب ذكرى المجازر في باحة البطريركية الأرمنية في إنطلياس. وكان حزب "الطاشناق" ـ الذي لم ينَل مرشّحه في الانتخابات الرئاسية الأرمينية عام 2008 سوى خمسة في المئة من الأصوات فقط ـ سبق ذلك بالإقدام على إستقالة وزرائه من حكومة جمهورية أرمينيا وإستقالة كبار الموظفين من الدولة.

.. التحالف الطاشناقي ـ الإيراني

ومع أن "الطاشناق" في إعتراضه على الإتفاق تحدّث عن عناوين معيّنة تمّ التطرّق إليها آنفاً، وبعض منها "موضوعيّ"، فإن مراقبين جادّين يعتبرون أن معارضة "الطاشناق" تنطلق من اعتبارَين رئيسيَين متقاطعَين. الأول هو التحالف الطاشناقي ـ الإيراني وتحالف "الطاشناق" مع الإنزعاج الإيراني من فتح الحدود الأرمينية ـ التركية تالياً. والثاني هو أيضاً إنعكاسٌ للإنزعاج الإيراني من الرعاية الغربية ـ الدولية للإتفاق، والتي تجلّت في حضور وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا التوقيع الى جانب الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا.

إنقساماتٌ في الأحزاب الأرمنية

على أن الإعتراف بوجود إعتراض في الشتات الأرمني، والإشارة الى تقييم المراقبين لجوانب من الإعتراض "الطاشناقي" بالتحديد، لا يمنعان من تسجيل "حقيقتَين أرمنيّتين". الأولى أن ثمة أزمةً حقيقية متفاقمة بين دولة أرمينيا و"الطاشناق" في جمهورية ارمينيا كما في الشتات ولبنان. والثانية أن ثمة إنقسامات داخل جميع الأحزاب الأرمنية ـ ومراكزها في لبنان ـ على خلفية الاتفاق الأرميني ـ التركي. ولا يمكن ـ الآن ـ الحديث عن "صورة نهائية" للأوضاع في تلك الأحزاب الأرمنية إذ لا تزال النسبة بين المؤيدين للاتفاق والمعترضين عليه داخل كل حزب، غير معروفة من ناحية ولا تشكّل التظاهرة الإعتراضية التي جرت في بيروت والتي لم يتجاوز عدد المشاركين فيها الثلاثة آلاف مؤشراً في حدّ ذاتها الى قوة الإعتراض أو ضعفه من ناحية ثانية.

خلاصةُ القول إنه بقدر ما ينبغي إعتبار الاتفاق منعطفاً إقليمياً ـ دولياً إستراتيجياً يخلط الأوراق، لا بد من ملاحظة أن الإتفاق يخلط الأوراق في الشتات الأرمني وداخل الأحزاب الأرمنية.
.. وتبقى مخاطبة الأحزاب الأرمنية في لبنان: إن التموضع حيال الإتفاق الأرميني ـ التركي ينبغي ألاّ يحيل "القضية اللبنانية" الى موقع ثانوي، أي إن "التموضعات اللبنانية" يجب ألاّ يبتّ فيها موضوع الإتفاق وحده.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل