التسوية تبرم بين الائتلافين الرئيسيين في البلد فلا "صلح منفرداً" ولا "إقصاء انفرادياً"
الديبلوماسيّة الداخلية نافعة أما التفاؤل فحمّال أوجه
مسألة تطرح وسط ما نراه في سياق عملية التأليف الحكوميّ الثانية من ازدهار لغة الديبلوماسية بين الأطراف الداخلية: هل يمكن التأسيس على ذلك بحدّ ذاته لأجل التعجيل في التشكيل الحكوميّ، وهل يمكن الإستفادة من ذلك في ما يتجاوز التشكيل الحكوميّ نفسه، بإتجاه إرساء علاقات سياسيّة سويّة تبتعد عن لغة العنف والتخوين، وتمهّد شيئاً فشيئاً لاستقلاليّة المجال السياسيّ عن الموازين الأمنيّة الصرف؟
إن كان هناك من شكوى لجهة الإفراط في التفاؤل ما لم يكن مرتبطاً بمدّة زمنية يقاس عليها ويثمر في ختامها ولادة حكوميّة، فإنّه ليس هناك أي طرف يبادر لأي شكوى عندما يرى المناخات الديبلوماسية تنتشر وتعم المجال السياسيّ اللبنانيّ.
كل اللبنانيين يشعرون بارتياح عندما يرون مصافحات ومجاملات بين القادة السياسيين المتخاصمين. كان ذلك بائناً حتى في عزّ أيام الحرب الأهليّة، وظلّ كذلك بعدها وإلى اليوم. لكن ما يقلق اللبنانيين دائماً هو هذه النقلات الفجائية بين لغة التخوين ولغة الديبلوماسية، أي الخوف من التدهور ثانياً، والخوف من عدم تمكّن لغة الديبلوماسية بين التيارات السياسية والطوائف في أن تكرّس نفسها وتطوّر معجمها.
لكن ما ينبغي التنبه اليه أكثر هو أنّ تعزيز اللغة الديبلوماسية هو الذي يدعو للتفاؤل حقاً، وليس الغلو في التفاؤل هو الذي يدعو إليه حقاً. فتعزيز اللغة الديبلوماسية يرتبط دائماً بمراعاة أهميّة "الدقّة" في تحديد طبيعة ما جرى التوصّل إليه أثناء التفاوض الحكوميّ، في حين أنّ التفاؤل المبالغ فيه وغير المحدود بزمان وبتطوّرات عمليّة محدّدة إنّما يساق في إطار إفحام الطرف الآخر أو "تخجيله" وجعله سبباً لامتناع التفاؤل من التحقق واقعاً.
الفارق هنا أنّه في لغة الإفراط في التفاؤل والتي تبعث بحدّ ذاتها على التشاؤم، يمكن قول الشيء ونقيضه. يمكن الجمع بين استحسان مواقف لدى الطرف الآخر وبين القول بأنّ هذا الطرف الآخر مرغم في مكان ما ومن مكان ما على اتخاذ ما ينتهجه من مواقف. ويمكن الجمع بين التفاؤل المفرط وبين شبح تخوين الآخر أو نصف الطرف الآخر، كمثل استمرار الحديث عن "تدخّل أميركيّ" له قوى تسنده في الداخل، وتعطّل التشكيل الحكوميّ على ما يقوله البعض في المعارضة من دون أن نعرف ما هي أدوات هذا التعطيل الذي تتهم به قوى في "14 آذار"، وما هي العلامات التي يؤسّس عليها لتوجيه الإتهام إلى هذه القوى بالمراهنة على الإيعاز الأميركيّ.
والواقع أنّ شبح التخوين المرسل لطرف من 14 آذار هو شبح تخوين مستمرّ لـ 14 آذار جملة، وكلّ هذا ليس من لغة الديبلوماسية. اللغة الأخيرة إذا ما اعتمدت أكثر وتكرّست بين الفرقاء الداخليين فهي تطلب ليس أقلّ من الإعتراف بالحجم التمثيليّ لكلّ من أظهرت الإنتخابات حجماً له من هذا القبيل، وليس أقلّ من الإعتراف بأنّ التسوية الداخلية تبرم بين 8 آذار مجتمعة وبين 14 آذار مجتمعة أو لا تبرم، وكلّ توهّم بـ"صلح منفرد" مع قسم من الفريق الآخر ليس إلا دفعاً للأمور بشكل أو بآخر في الإتجاه "التشاؤميّ". كذلك فمن الوهم إبرام تسوية بين الفريقين على قاعدة الإقصاء لقسم من فريق، أو تحجيم قسم من فريق، ووضعه مجدّداً في "الإنفراد".