انتخاب الوطن الرسالة
عندما انتخب الدكتور شارل مالك رئيساً للجمعيَّة العمومية للامم المتحدة في 6 أيلول 1958، انتشرت الاحتفالات من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب.
في تلك الحقبة الصاخبة بالأحداث والانقلابات والعواصف السياسيَّة، كان لبنان في أشد الحاجة الى انتصار ما، الى فوز ما، الى أي شيء يحرك شعور اللبنانيين واعتزازهم ووحدتهم المهزوزة، ازاء الموجة الناصريَّة العارمة التي اجتاحت العالم العربي في حينه.
والتي اخترقت لبنان في العاصمة والمدن الأساسيَّة، بعدما تركَّز مرجلها في دمشق، وحيث كان عبد الحميد السراج مفتاح الوحدة مع مصر والممثل الشرعي الوحيد للناصريَّة في الاقليم السوري وفي لبنان الذي "رشّح" ليكون الاقليم الثالث.
ولكن بقي "الترشيح" ذاك دون تنفيذ. وخصوصاً بعد التفاهمات الأميركية مع الرئيس جمال عبد الناصر على انتخاب اللواء الأمير فؤاد شهاب ليحل في سدة الرئاسة اللبنانية محل الرئيس كميل شمعون.
وأبت الكورة إلاّ ان تحتفل على طريقتها بانتخاب ابن بلدة بطرام رئيساً للدورة الثالثة عشرة، كما أبت الا أن تخلع على مالك لقب رئيس العالم.
يومها ظنَّ اللبنانيون، وحتى كبار المسؤولين والسياسيين والصحافيين والمثقفين، ان وجود ابن بطرام على رأس الجمعية العمومية، ولدورة عابرة، سيغيّر ويبدّل المقاييس والموازين والقوى والاعتبارات في المنطقة عموماً وفي لبنان بصورة خاصة واكيدة.
ولا داعي للتذكير والتأكيد ان حرفاً واحداً لم يتغيَّر من الواقع الذي كان سائداً في حينه…
ليس من باب المقارنة، ولا بدافع من رغبة في تثبيط الهمم، نورد هذه السالفة، بل للفت الذين سارعوا الى وضع الأسس والمداميك في بناء قصور الأحلام والآمال، ودعوتهم الى التعامل مع "حدث" انتخاب لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن من زاوية مختلفة، وأكثر ايجابيَّة وتأثيراً.
من حق اللبنانيين أن يبتهجوا ويفرحوا لانتخاب وطنهم الصغير، المعذب المستهدف المقهور المكسور الخاطر والجناح غير القادر على تأليف حكومة عادية، عضواً في هذه المؤسسة الدوليَّة المهمَّة، ذات الدور الكبير والفعَّال على نطاق العالم أجمع.
وباكثرية 180 صوتاً من أصل 190.
ومن حقهم، كذلك، أن يعتبروا ان هذه الدول صوتت لبلدهم بكثافة وحماسة تعبيراً عن تضامنها معه، واعجاباً بنظامه الديموقراطي البرلماني، ودعما لتعدديته النادرة، وصيغته التي جعلت البابا يوحنا بولس الثاني يسمّيه الوطن الرسالة.
بلد صغير في هذا الشرق، في هذه المنطقة، في هذه الجغرافيا الملتهبة الدائمة التفجرُّ والصراعات على اختلافها، يواجه منذ كان زلازل وبراكين لا تهدأ.
وبصبر وصمود يثيران اعجاب العالم ودهشته.
نعم، يجب أن يتذكرَّ اللبنانيون جميعهم ان التصويت لبلدهم في الامم المتحدة جاء عن سابق تصوّر وتصميم. ودفاعاً عن هذه الصيغة التي تضم تحت جناحيها 18 طائفة، على مساحة لا تتجاوز عشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً.
ودعماً لهذه التركيبة وهذه التعددية التي من شأنها ان تدحض وتجهض المشاريع العنصريَّة التي تقودها اسرائيل بصورة خاصة، تبريراً لسعيها الى التهويد، وتكريس "فكرة" استحالة التعايش أو الانصهار في بوتقة واحدة بين الأديان والمعتقدات المختلفة.
هنا، بالتحديد، تكمن أهمية انتخاب لبنان في هذه المرحلة، وهنا تكمن قوة لبنان والتفاف العالم حوله وحول نموذجه. لقد انتخبوا الشاهد الصادق.