#adsense

حقائق المرحلة ومرارة التجربة

حجم الخط

حقائق المرحلة ومرارة التجربة
المحامي جورج ابو صعب

اننا امام حقائق مرة كثيرة في لبنان في المرحلة الحالية ولعل امرها هي حقيقة موجعة تؤكد ان امامنا الكثير الكثير كي نصبح دولة بكل معاني هذه الكلمة.

فلبنان اليوم اعاده ويعيده بعض سياسيوه الى مرحلة الجاهلية الغابرة لان هؤلاء لا يريدون دولة ولا يريدون مؤسسات ولا يريدون دستورا، بل مجموعة اقطاعيات طائفية ومذهبية ومناطقية وعائلية تطيح بما تبقى من امل بقيام الدولة وبناء المؤسسات وارساء قواعد دولة القانون والحق والعدالة اسوة بالمجتمعات الديمقراطية الراقية.

لا نقول هذا الكلام من باب اليأس او الاستسلام او النعي، بل من باب كشف الحقائق واعلانها للملأ كي يأخذ التاريخ مجراه ويكتب للاجيال المقبلة حقائق ازمة لبنان مع ذاته قبل ان يتكلم مع ازمة لبنان مع غيره.

تستعمل كثيرا مصطلحات "ازمة حكم" او "ازمة حكومة" او "ازمة نظام" فيما الحقيقة ان الازمة الحقيقية هي ازمة فقدان بعض اللبنانيين ثقتهم بلبنان وارادتهم بوجود لبنان، على قياس الدول والجمهوريات والمؤسسات والدساتير والقوانين والشرائع. لان هذا البعض يفضل الزعيم والزعامة الشخصية والمناطقية والطائفية والمذهبية على الزعامة اللبنانية الجامعة. ولان هذا البعض لا يرى في الوطن الا مصالحه الضيقة وحفاظه على مكتسبات ظرفية على حساب ثوابت الدستور والميثاق والنظام لا بل التاريخ.

1- فالذين يتكلمون اليوم ومنذ فترة عن تعديل للطائف في ظل الوضع القائم حاليا في لبنان، وكأنهم يدعون الى حرب اهلية جديدة والى عودة الى الوراء، في حين ان اتفاق الطائف الماثل امامهم ينتظر من يطبقه تطبيقا كاملا وصحيحا وشاملا قبل ان يحكم عليه او له بالتعديل او بالابقاء. علما ان القيمين على اتفاق الطائف وتنفيذ بنوده هم اليوم من بين هذا البعض كما كانوا ومنذ اكثر من اربع ولايات مؤتمنين على تنفيذ الشق الابرز منه، ونعني رئاسة مجلس النواب التي كان من المفترض ان تطلق ورش تشريع وسن قوانين تطبيقية للطائف في كافة المجالات، والتي كان من المفترض ان تشكل الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية، الى ما هنالك من نقاط لم تنفذ لا بل لم ينفض عنها الغبار حتى.

2- فالى هؤلاء الذين يتكلمون عن تعديل للطائف او الذين يسعون من بين قوى المعارضة على قضم التعديل تلوى التعديل من خلال خلق سوابق انقلابية على النظام كل يوم بقوة الارض والسلاح والتهديد به ماديا او معنويا، تقضي رويدا رويدا على ما تبقى من روح ونصوص الطائف لا بل من روحية واسس النظام اللبناني، نتوجه بالسؤال عما اذا كانوا يعتبرون فعلا ان الطائف قد طبق قبل ان يطالبوا بتنفيذه؟

3- ما نقوله ليس دفاعا عن الطائف وعن قدسية ما فيه، لانه غير مقدس وغير منزل، ويمكن تعديله وقد نكون من اشد المتحمسين لتعديله في الكثير من الاوجه التي فرضت كتسوية في حينه لانتشال لبنان من اتون النار والتفتت الذي كان يرزح تحته في حينه. بل من منطلق عدم التوقف عند المطالبة بحد ذاتها بل الى ما وراء المطالبة، لاننا وبصراحة اصبحنا نرتاب من الدعوات التي يطلقها البعض في المعارضة لتعديل الطائف، فيما نراه على ارض الواقع قادرا على فرض ما يريده في حال فتح باب التعديلات. بينما يبقى لنا اقله ان ننزع عن اية محاولة تعديلية، الصفة الميثاقية والمشروعة، ان بقينا متمسكين بالطائف وروحيته في المرحلة الحالية، وهذا حقيقة ما نشعر به وما نراه.

4- لقد بدأنا نعي حقيقة مرة أخرى الا وهي حقيقة سقوط نظامنا الديمقراطي سقوطا مريعا لا سابقة له، فالسقوط بات واضحا وقد عبر عنه السيد حسن نصرالله في لقائه مع رئيس اللقاء الديمقراطي الاخير وليد جنبلاط، عندما قال له بوضوح ان على الغالبية ان تنسى انها انتصرت في الانتخابات ان ارادت تشكيل حكومة، والا فلا حكومة .

لقد قال السيد في اجتماع ثنائي، ما لم يقله هو وسواها من حلفائه علنا، فبعد هذا ماذا تنتظر وتتوقع الاكثرية من المعارضة؟
لقد انتقلنا على ما يبدو من صم اذان المعارضة على العقل والمنطق والقانون والدستور الى مرحلة صم اذان الاكثرية على حقيقة مواقف المعارضة في 8 اذار.

ان المشكلة هي اعمق من حكومة تؤلف او حكومة تشكل او سلل متكاملة للتوزير والحقائب، او من صيغة 15-10-5 ( والتي نعتبرها ضربا للاكثرية واسقاطا لشرعية ارادة الشعب). فالمشكلة هي ان قسما من اللبنانيين في لحظة تاريخية مناسبة لهم عرفوا واتقنوا اسلوب قلب الطاولة بهدوء لا بل على مراحل، ليصلوا الى شل للنظام تمهيدا لاسقاطه …
وهم ما زالوا ويستمرون في هذه المهمة الى اللحظة هذه تحت الف شكل وشكل والف غطاء وغطاء ومناورة ومناورة … لتحسين وضعهم وتقوية نفوذهم واحكام سيطرتهم على لبنان فعليا لا نظريا، مستفيدين من شباك اقليمي ودولي مؤات لمساعدتهم على قلب المعادلة اللبنانية وتغيير وجه وهوية لبنان.

هذه هي الحقيقة … بكل بساطة الكلام وخطورة المضمون …
فالحقيقة المرة هي ان ارادة الشعب لم يعد لها دور ولا تأثير لان ارادة السلاح والقوة وموازين الرعب والترهيب تأخذ مداها في وضع اللبنانيين الاحرار امام امر من اثنين :
اما دكتاتورية مقنعة تسمى بالديمقراطية التوافقية واما الحرب. وبالتالي وبعد اسقاط المؤسسات وضرب الدستور في اكثر من محطة ها هم في 8 اذار ينقضون على اساس النظام الا وهو الديمقراطية ومفاعيل خيار الشعب .. وقد باتت نواياهم مفضوحة ومواقفهم واضحة.

5- والحقيقة المرة الاخرى هي ان المعارضة ليست في الحقيقة سوى مجموعة من العبثيين الذين يتقنون تنفيذ لعبة الخارج في الداخل ومن الداخل ولحساب الخارج : وقد سبق واستمعنا ولا نزال نستمع يوما بعد يوم في تصاريح قيادييها المقاربات التي تربط لبنان بازمات المنطقة وتوتراتها وحلولها وانفراجاتها، وتربط لبنان بلعبة المحاور والدفاع عن انظمة وعقائد تيولوجية وسياسية وفكرية. فلبنان اليوم اصبح بفعل هذا الفكر اللبناني المنحرف ساحة كل الصراعات الاقليمة والدولية، بيد لبنانية في وجه لبنانيين اخرين وهنا مكمن الداء …

من منا لا يريد للمعارضة ان تشارك في الحكم ؟
ومن منا لا يريد الوحدة الوطنية ؟
ومن منا لا يريد لبنان بلد الانصهار والحوار بين العائلات الروحية ؟

كلنا يريد ويسعى ويناضل – كل من منطلقه – من اجل التوصل الى هذه الاهداف النبيلة والوطنية، ولكن في المقابل :

ثمة من يفسر الرغبة بالمشاركة على انها فرصة للفرض والاملاء
وثمة من يفسر الوحدة الوطنية على انها اعتماد وجهة نظر فريق دون الاخر وغلبة رأي على الاخر. لان الوحدة الوطنية لديهم هي اذعان لشروط ولتصور احادي الجانب لا الالتقاء عند نقطة وسطية جامعة وعلى قواسم مشتركة، لانه لم يعد لدى المعارضة رغبة في البحث عن قواسم مشتركة بل فقط في فرض القواسم الاحادية.
وثمة من يريد الانصهار مطية للالتحاق بالمحيط الاقليمي وتبني مصالح الغير ولو على حساب لبنان ومصالح ابنائه كل ابنائه …
وثمة من يريد من الحوار ان يكون فقط لمجرد الحوار وتقطيع الوقت وايهام الرأي العام وغش العقول الضعيفة …

فهذه هي الحقائق الحالية الاساسية وسواها من حقائق نترك للايام ان تكشف عنها اكثر فاكثر. فكيف يمكن في ظل هذه الحقائق الاقتناع بان تشكيل حكومة او عدم تشكيلها هو نهاية المطاف بالنسبة لمصائبنا؟

ثمة الكثير الكثير من المرارة في قلوبنا الى جانب ارادة صلبة بالصمود والنضال ورفض الواقع المرير. كما ان ثمة الكثير الكثير من الحقائق المروعة التي نحتفظ بحقنا في الكشف عنها لاحقا … لكن يبقى ان على الاكثرية ان تعرف كيف تتلقف اللحظة التاريخية لانتصارها، كي تبقي ولو بعض الامل بلبنان ديمقراطي وبدولة قد تصبح يوما ما مشروعا جاهزا للبناء، كارضية تصلح لبناء استراتيجية وطنية انقاذية تبني ثورة فكرية حقيقية لاستعادة فكرة لبنان ومشروع الدولة من غياهب العبثية الحالية.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل