صُنعتهم التفاؤل
من محاسن المصادفات أن يلبي رئيس الجمهورية الدعوة إلى اسبانيا في فترة مخاض الحكومة الجديدة. تماماً كما كانت من محاسن المصادفات زيارتا رئيس مجلس النواب إلى قطر والامارات. فلقد أعطت الرحلتان انطباعاً للبنانيين أن المولود الحكومي لن يطلّ برأسه من رحم المشاورات قبل أن يعود رئيس السلطة الثانية، وذلك كان في الأسبوع الماضي، أو قبل أن يعود رأس السلطة الأولى، كما حال هذا الأسبوع.
وبرغم أن ربط التأخير بتحرك الرئيسين الخارجي هو أمر واقع فإنه غير كافٍ للتبرير، لكنه أراح اللبنانيين من التوقعات المتضاربة التي يطلقها السياسيون وتذهب من أقصى التفاؤل إلى أقصى التشاؤم، من دون أن تسند إلى وقائع، قدر ما تستند الى تكهنات وتحليلات جزئية حيناً، وقاصرة عن الرؤية الإقليمية للأمور أحياناً.
بعض هذه التوقعات حلّق في تفاؤله فرأى أن الحل يكمن في العلاقات السعودية – السورية، وما سمي معادلة س.س، التي، على أهميتها، لا تلغي وقائع إقليمية – دولية أخرى ينوء الوضع اللبناني تحت وطأتها، من القضية الفلسطينية، الأقدم، إلى انفجار بلوشستان الأحدث، عبوراً بالملف النووي الإيراني. والسبب أن الإشكالية السياسية في لبنان تتأتى من تقاطع أولويات متعددة متناقضة في قسم، ومتوائمة في قسمٍ آخر، في آنٍ، من عربية واقليمية ودولية.
مع اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري سقط التفاهم الإقليمي القائم على لبنان واستقراره. والوقائع تؤكد، مذذاك، ان السعودية وسوريا ليستا اللاعبين الوحيدين فقد دخلت على الخط دول كثيرة، فضلاً عن إيران الموجودة أصلاً بامتدادات طائفية.
وإذا كانت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى دمشق تؤشر الى الدور الكبير للرجل وما يمثل من ثقل سياسي ودولي، فإنها ساهمت في إدخال لبنان في هدنة ساعدت الأطراف الداخليين على التقدم بالتفاوض حول شكل الحكومة.
لكن الإشكالية الأساس في لبنان هي أن الوضع لم يتغير بعد الإنتخابات. والسياسة أو ممارستها لدى بعض الأطراف ما زالت تستخدم كآلية للتعطيل، بما يشير إلى أن لبنان اليوم يديره التوازن السلبي.
فكلّ الأطراف متوافق على الامتناع عن الظهور بمظهر المعيق للاستقرار، كأنه يهاب أن يتهم بجر البلاد إلى أبعد من القلق السياسي، فيندفع في زعم التفاؤل، أو تضخيم بعض المظاهر، ومنها الصمت على الخلافات، ليبرّئ النفس، سلفاً، من سقوط التهدئة السياسية.
والتفاؤل المتصاعد أحياناً، والباهت أحياناً أخرى، أمر مياوَم وليس يومياً. لأنه يبنى على اللحظة التي يولد فيها نتيجة تبسّم زعيم، أو انفراج أسارير آخر، أو إطلاق عبارة من هنا، أو مديح من هنا، بينما استقرار البلاد ينتظر الخطوة الأخيرة في رحلة الألف مشاورة، فإما أن ينهار فجأة، وإما يشمخ بنيانه… ولو على رمال.
فما يجري، ضمناً، هو محاولة فرض إعادة صياغة الديموقراطية التوافقية من جهة، ومقاومة، من جهة أخرى، لمحاولة قولبتها وفق ظرف يظل طارئاً في مقياس حياة الشعوب، وإن كان احتسبه أصحابه ابدياً، وارتدى رهبة السلاح، وتخصيب الاورانيوم.
ولادة الحكومة قد تكون هذا الأسبوع، وربما بعده، وهي ستكون، إن كانت، في أي حال، مرحلة هدوء تعكس تفاهمات داخلية، لكن أيضاً تقاطع هذه مع تلك الأقليمية والدولية، وتحديداً الحوار الإيراني – الدولي في فيينا: فإذا لم ينجح تبقى الآمال معلقة بما يحاذي الأوهام، إلا إذا أثبتت البندقية خارج الشرعية أنها ليست مسخّرة لخدمة غير لبنان.
ربما كانت قدرة اللبنانيين على ابتداع المخارج لأزمات الحياة اليومية التي كانت تواجههم خلال حرب الـ15 سنة، هي ما أدى إلى تمديد هذه الحرب: إنقطعت الكهرباء فنشروا المولدات، شحت الماء فحفروا الآبار الإرتوازية، اختفى الطحين فأحسنوا تهريبه، بالتراضي، والاتاوات بين منطقة وأخرى. إسودت آفاق الحل، فاخترعوا التفاؤل وضبطوه على إيقاع مواعيد أسبغوا عليها أهمية دولية وإقليمية، وأحياناً إجتماعية، من زيارة مسؤول دولي الى المنطقة وصولاً الى عيد الفطر أو الميلاد.
التفاؤل الحالي ليس غريباً على اللبنانيين. إنه صنعتهم الأبدية، وهم مبدعوه.