الربط الغامض بين سلاح المقاومة.. وحقّ العودة؟
أطلق الرئيس نبيه بري في نهاية الأسبوع كلاماً (السبت 16 تشرين الأول) انشغل المحللون بقراءة بعضه – الشقّ الحكومي الغامض – بعد الترويج بأنه سيكون "إفطاراً" بعد"إمساك" عن الكلام السياسي، فإذا به "سحور على شربة ماء" لم يتجاوز انتظار صياح ديك الفجر وتأذين مؤذن الحكومة الرئيس المكلف سعد الحريري بولادة "بيضة" ديك الحكومة، حتى بات اللبنانيون يظنون أن ولادة حكومتهم من عجائب العرب التي يسمونها في وصف معجزات الأمور بـ"بيضة الديك"!!
وما لم يستوقف المحللين فكلام "سلاحي" يصدر بهذا الوضوح لأول مرة عن الرئيس نبيه بري نيابة عن حزب الله حتى يكون صداه أقل ضجيجاً في هذا التوقيت، وكأن موضوع "حقّ العودة" للاجئين الفلسطينيين يقتضي انفراد طائفة واحدة باحتكار "المقاومة وحيازة السلاح".. لم يستوقف هذا الكلام أحداً، خصوصاً أنه يصدر عن شخصيّة تشغل المنصب الثاني في الدولة، رئاسة مجلس النواب، وأن الحديث عن حق العودة يفترض أن يكون من ضمن "تشريع لبناني" بقانون يصدر بالإجماع عن مجلس النواب، لا عبر خطاب "التمسك بالسلاح" تحت أي مسمّى حتى لو اقتضى الأمر "اختراع" عناوين..
عملياً، لم يغادر الرئيس نبيه بري ما يقوله ميشال عون مثلاً لـ"يبلف" به اللبنانيين المسيحيين المتوجسين خيفة من سلاح حزب الله، فـ"يوهمهم" بأنه لمنع "التوطين"!! ولم يغادر أيضاً كلام الرئيس بري ما يردده وئام وهاب مثلاً الذي يقول أيضاً ما يقوله ميشال عون، ولكن أن يصدر مثل هذا الكلام عن شخصية يفترض أنها تمثل الدولة، والدولة تصدر مواقفها عن مؤسساتها الرسمية، فهذا أمر يستدعي التساؤل، خصوصاً أن الرئيس بري يفرض على اللبنانيين "ازدواجية" في الصفة للتعاطي معه، فهو حيناً رئيس المجلس النيابي، وحيناً آخر "هو رئيس حركة أمل"، فتحت أية صفة أطلق دولته هذا الكلام؟
والرئيس نبيه بري الذي تحدث عن "حماية لبنان وفي الطليعة الجنوب"، وهذا كلام حقّ، لأن – وبحسب بري – "من لا يحمي حدوده لا يحمي عاصمته" وهذا كلام مشكل، ويغفل واقعاً مريراً يخشاه اللبنانيون بعدما تحوّل سلاح المقاومة من وجه العدو، إلى صدرهم و"صدر عاصمتهم" تحت شعار "السلاح لحماية السلاح"، وهذا واقع غير بعيد عن الذاكرة، ويستطيع أهل السياسة أن يدعوا كـ "نعامة" أنهم تجاوزوه، أو أنه انتهى وطويت صفحته، ولكن على وجه الحقيقة هو حاضر في ذاكرة الناس وماثل ليقضّ مضاجعهم، فكلما تأخر تشكيل الحكومة، يلحّ السؤال الذي يتضخم كورم في الرؤوس: لو لم يكن هناك من يمتلك السلاح ويُهدد به وباستخدامه متى احتاج الأمر تحت "ذريعة" الشراكة مكرّساً واقعاً منافياً لممارسة الديموقراطية وكل أعراف تداول السلطة بموجب الانتخابات، هل كان تشكيل الحكومة ليتأخر هذه المدة الطويلة لو لم يكن هناك من يخوّف بإشعال حرب أهلية بسلاحه؟! وبعد ما يحدث من تعطيل، لماذا أصلاً تكبّد البلد والناس عناء إجراء هذه الانتخابات؟!
واللافت الثاني في كلام الرئيس نبيه بري، ربطه الشأن اللبناني بالقضية الفلسطينية – على ما لهذه القضية من أهمية كبرى عند العرب جميعاً – ولم نفهم سبب ربطه المقاومتين ببعضهما البعض، والسلاحين أيضاً، وربط المقاومة المحبوسة في لبنان بطائفة معينة وبوكالة حصرية شرعية إيرانية، وربطها "خبط لزق" بحق العودة الصادر فيه قرار عن الأمم المتحدة ويحمل الرقم 194، والأغرب أن حق العودة هذا يتم تناوله في هذه المرحلة من ضمن مساعي الحلّ الشامل للمنطقة، هذا عدا عن كونه ربط المقاومة في لبنان – وضمناً سلاحها – بحقّ العودة، أليس في هذا ما يستوقف أي متوجّس من الاستمرار بسحب موضوع سلاح حزب الله من الموضوع اللبناني لفرد سلطته على حق العودة الفلسطيني، وكأن "السلاح والمقاومة" باتا محتاجين لعنوان لبقائهما في يد من يمتلك السلاح إلى عناوين فضفاضة يسهل فيها التخوين والاتهام بالعمالة، وحديثاً الرغبة في التوطين!! وعلى الرغم من طرحه للأمر لم يقل لنا الرئيس نبيه كيف سيفرض سلاح المقاومة حق العودة؟ هل بإخراج الفلسطينيين بالقوة من لبنان، مثلاً؟
ثمّة نقطة ثانية استوقفتنا في خطاب الرئيس نبيه بري وهي قوله: "أمام محاولة خلق فتنة مذهبية سنيّة – شيعيّة ووضع إيران في وجه العروبة، واستبدال الصراع العربي الإسرائيلي بصراع عربي – إيراني".. بصراحة "خبرية" محاولة خلق فتنة، أو تلزيم تهمة الفتنة لأميركا وإسرائيل وسواهما عند الضرورة "بتفزر"، ولنا في هذه المقالة وجهة نظر تاريخية وسياسية نؤجلها الى الغد..