معطيات ديبلوماسية تقلِّص احتمالات المواجهة في الجنوب
هامش تحرّك السلاح أضيق من مزاعم اسرائيل
تستأثر الحوادث الاخيرة خلال مدة لا تتعدى الاسبوع بين ما حصل في طيرفلسيه في 12 من الشهر الجاري وفي حولا في 17 و18 منه باهتمام البعثات الديبلوماسية المعتمدة في لبنان من حيث استطلاعها تفاصيل ما حصل، ابعد مما تقول به البيانات الرسمية للجيش اللبناني أو تلك الصادرة عن "حزب الله" وعن اسرائيل ايضا، ثم مترتبات هذه الحوادث وابعادها. وتتجاوز هذه التطورات في رأي البعثات الاهتمام بتأليف الحكومة الذي تراجع الى حد بعيد في ضوء المراوحة التي يشهدها من دون تجاهل متابعته في الوقت نفسه. وعلى رغم انتظار غالبية هذه البعثات التحقيقات التي تجريها القوة الدولية في الجنوب، فقد لاحظت حرص كل من القوة الدولية والجيش اللبناني على تنسيق مواقفهما بحيث لا تتكرر تجربة الانفجار في خربة سلم في 14 تموز الماضي من حيث تناقض الوقائع بين الجانبين والتقارير التي رفعت عن الحادث، على رغم عدم اغفال ثغرة يراها هؤلاء في كون "اليونيفيل" تساعد الجيش وليس العكس. وقد تبين للمتابعين في هذه البعثات ان ما قيل عن انفجار حصل في طيرفلسيه لا يمكن اعتباره انفجاراً على غير ما كان عليه الوضع في خربة سلم، وهؤلاء ابدوا اهتماما بالشريط الذي حرصت على بثه اسرائيل في المحطات العالمية لتزعم ان "حزب الله" ينقل صواريخ من طيرفلسيه الى قرى اخرى في الجنوب، في اشارة لا تخفى على هذه البعثات حول نية اسرائيل ابراز وجود سلاح "حزب الله" في المنطقة المنزوعة السلاح في الجنوب، وان الحزب هو نفسه الذي سيكون جزءا من الحكومة اللبنانية التي هددتها اسرائيل مرارا باعتبارها مسؤولة عن أي أمر على حدودها متى كان الحزب مشاركا فيها، الى جانب تسليط الضوء على ما تصوره هي امام الغرب انها "ضحية" تحت تهديد مستمر على حدودها، وهو أمر تقر البعثات المعنية بان اسرائيل تبرع فيه جدا امام الخارج، علما ان التحقيقات لم تثبت في المقابل رواية الحزب، وفق ما توافر لهذه البعثات عن نقل باب من مكان الحادث، اذ ان كشف القوة الدولية على الشاحنات التي ابرزتها الصور التي بثت اظهر خلوها من اي محتوى. لكن ثمة اقتناعا بأن ما نقل لم يكن باباً، خصوصا ان احدا لم يسمع أصوات الانفجارات وفق ما حصل في خربة سلم.
وتبعاً لذلك، فان هناك مجموعة من الاسئلة لا تجد جوابا عنها قبل أن ترفع القوة الدولية تحقيقاتا في هذه الحوادث، اضافة الى مجموعة من الاستخلاصات المبدئية، من بينها أن هامش تحرك السلاح في منطقة القوة الدولية ليس بالسهولة التي تدعيها اسرائيل، بل هو محدود، على رغم انه لا يمكن نفي وجوده بموجب المعادلة نفسها، وان سيطرة الجيش مع القوة الدولية ساهمت في الحد من التحركات المسلحة، اضافة الى الاعتقاد ان هذه التطورات ستساهم في تعزيز بقاء القوة الاوروبية من ضمن القوة الدولية من دون تغيير، في وقت كان يلوح في الافق عدم امكان متابعة بعض الدول المشاركة الاستمرار في رصد عدد كبير من العناصر العسكرية في الجنوب اللبناني، كما يجعل احتمالات المواجهة عبر الجنوب صعبة في حال توافر العناصر لمواجهة مع ايران حول ملفها النووي، علما ان ايران تدير حتى الان اللعبة بذكاء ولا تنوي خوض مغامرة مماثلة على رغم اقرار ديبلوماسي بوجود آراء مختلفة في هذا الصدد، باعتبار ان الوضع الداخلي الايراني وعدم استطاعة طهران كسب المزيد من الوقت، على ما يعتقد انها تفعل بالنسبة الى المفاوضات الحالية، قد يشجعان على استدراج مواجهة من جانبها لرص الصفوف في الداخل وازالة أي معارضة ممكنة.
وفي انتظار وضوح الصورة والابعاد، فان هذه التطورات تبدو مقلقة وجديرة بالمتابعة، خصوصا اذا كانت تتصل بالتأثير على تأليف الحكومة، علما ان عرقلة ولادتها باتت محددة اكثر من أي وقت مضى في رأي هذه البعثات بمحاولة التوفيق بين المطالب المختلفة لجميع الافرقاء على وقع حل الاشكالات حول المطالب التي رفعها العماد ميشال عون، وقد كان من غير المتوقع ان تتألف الحكومة حتى بعد أسبوع من القمة السعودية – السورية في دمشق تجنبا لاعتبار او اظهار المرونة التي يمكن أن يبديها رئيس التيار العوني تأثراً بأي مطالبة أو ضغط سوري مباشر أو غير مباشر، اذ ان مثل هذا الانطباع يمكن أن يستمر في تجميد الامور الى اجل غير مسمى وفق ما جاهر به حلفاء للعماد عون امام ديبلوماسيين كثر. وهذا الامر تتفهمه البعثات المعنية على انه من عدة الشغل الداخلية في لبنان، علما انه استنزف الكثير من الجهد والوقت الضائعين، على أمل الا ينعكس التأخير مزيداً من الحوادث في الجنوب او خارجه، وان يتمكن رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري من ادارة حكومة تتولى بعض أصعب ما يمكن ان يواجه لبنان على الصعيد الداخلي الخدماتي على وجه التحديد أكثر من أي ملف سياسي داخلي او خارجي على حد سواء، التزاما ما كان حدده الحريري نفسه امام بعض رؤساء البعثات واصراره على بعض الحقائب الخدماتية من هذه الزاوية بالذات.