#adsense

حكومة النظام الضائع …

حجم الخط

حكومة النظام الضائع …
المحامي جورج ابو صعب

يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: "حريتي مطلقة ولا استطيع الا ان اختار، وفي ذلك مسؤوليتي". فمن وحي هذا القول تبدو الحرية في لبنان اليوم بعيدة عن الاختيار، لان ممارسات السياسيين فيه تفصل بين الحرية والمسؤولية – فلكي تكون مسؤولا لا يمكنك ان تكون حرا وان كنت حرا فلا يمكنك ان تكون مسؤولا – ذاك لان المسؤولية لم تعد تتواءم مع الحرية بل مع نظريات الضرورات التي تبيح المحظورات – فاذا اعتنقتها تخليت عن مبادئ حياتك، فكيف اذا كانت تلك المبادئ مبادئ نظام واسس دولة ومعايير ديمقراطية؟

اما اذا اردت ان تكون حرا فالحرية مكلفة – وكلفتها تتجاوز حد الفرد لتدفع المجموعة ثمنا لا بل اثمانا باهظة انطلاقا من منطق ان القوي يفرض سلطانه وارادته وقراره – وهكذا نعيش اليوم في السياسة عامة وفي مرحلة تأليف الحكومة خاصة في صراع بين ان نكون احرارا ونعمل بما يؤمن به الحر من ديمقراطية واختيار شعبي واكثرية تحكم واقلية تعارض وبين ما يجب او ما يمكن ان يكون منعا للخيارات الصعبة وغير المحسوبة.

فمع تأييدنا ودعمنا للرئيس المكلف في مساعيه لتشكيل الحكومة "المسخ" الذي قد تولد من رحم الاضداد والتناقضات الفكرية والرؤيوية للوطن ومستقبله ودوره الحالي والمستقبلي – ومع تفهمنا لما تفرضه قواعد اللعبة الداخلية والاقليمية من تنازلات من هنا وهناك – مع اننا الى الان لم نلمس سوى تنازلات من هنا بانتظار " الهناك " – الا اننا لا نستطيع كمواطنين احرار وديمقراطيين وانصار لمبادىء ثورة الارز واوفياء لشهداء الاستقلال الابرار – الا ان نبدي رفضنا للنهج الذي تسير فيه البلاد حاليا تحت شعار وستار الايجابية الاعلامية والتفاؤل الاعتباطي – لان في ما يحصل جريمة كبرى ترتكب بحق لبنان الدولة والدستور والديمقراطية والنظام واتفاق الطائف – وهي جريمة متمادية حدها السيف بين الفوضى او موت النظام وسقوط الدستور.

ان الحكومة العتيدة لن تكون حكومة الاكثرية النيابية بل حكومة "التي هي احسن" ولن تكون حكومة الوحدة الوطنية بل حكومة الصراعات الوطنية لان ثمة شيئا اساسيا ستفتقده الحكومة: الرؤية الموحدة الواحدة للبنان.

فلو تم تذليل العقبات غدا – الستار واعلان تشكيل الحكومة – الا ان هذه الحكومة ستولد مبتورة الاجنحة سلفا – بخاصة انها ستضطر في بيانها الوزاري العتيد الى الاقرار مجددا بتوازن الدولة والمقاومة – وبالتالي بتلازم السلاح غير الشرعي مع السلاح الشرعي – وستكون المعركة السياسية في اروقة البرلمان ومجلس الوزراء وقصر بعبدا بين كيفية المواءمة بين نظرة بناء الدولة القوية والقادرة والمستقلة ذات السيادة غير المنقوصة التي تعني في العلم الدستوري ان تكون سلطة الدولة على سكان الاقليم سامية وشاملة ولا تستطيع اي سلطة اخرى ان تعلو عليها او تنافسها في فرض ارادتها على الافراد والهيئات داخل حدودها او في تنظيم شؤون اقليمها – وبين نظرة المقاومة والابقاء على السلاح غير الشرعي من خارج الدولة والابقاء على مربعات امنية خارجة كليا عن سيادة الدولة لحساب سيادات تتخطى الحدود ونظرة التفرد وعدم مشاركة اللبنانيين في قرار الحرب والسلم لكونه من ضرورات ومتممات المقاومة والتكليف الشرعي – وبالتالي سنعود الى نقطة البداية وستتحول الحكومة الى منبر مبارزة احيانا فوق الطاولة واحيانا اخرى وكثيرة تحت الطاولة.

ان المشكلة ليست في تشكيل حكومة او في اختيار وزراء وحقائب – بل ان المشكلة بعد كل ما حصل ويحصل منذ الدوحة الى اليوم تختصر في انقسام اللبنانيين انفسهم حول اي لبنان واي دور للبنان – فبعض اللبنانيين بقي على العهد بالعبور الى دولة عصرية قوية وقادرة سيدة وحرة ومستقلة – ودفع في سبيل ذلك الغالي والنفيس ولا يزال – فيما بعضهم الاخر لم يعد يرى لبنان الا من منطلق مصالحه الضيقة واهدافه الذاتية – التي ومهما كانت مشروعة في منطقه ومقاربته الا انها تبقى غريبة عن مصلحة لبنان العليا ومصالح كل اللبنانيين.

فبراينا ان معركة تشكيل الحكومة التي تخاض منذ اربعة اشهر ليست فقط معركة تشكيل بالمعنى الضيق – بل تكشفت من خلالها حقيقة الصراع بين اللبنانيين: فعام 1958 اندلع الصراع الداخلي بين اللبنانيين المناصرين للبنان الواحد والدولة وبين اللبنانيين المناصرين لعبد الناصر – وفي العام 1975 اندلع الصراع بين لبنانيين مناصرين لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان واتفاقية القاهرة وحرية العمل الفدائي انطلاقا من لبنان ضد اسرائيل وبين لبنانيين مؤمنين بأن لبنان للبنانيين وليس لسواهم – واليوم الصراع واقع بين لبنانيين مناصرين لمحور ما يسمى "الممانعة" ( مع ان حدود بعض دول ذاك المحور المشتركة مع اسرائيل هادئة وتنعم بالسلام والهدنة) والتي تضم سوريا وايران بالتحديد وبين لبنانيين يريدون اعادة المبادرة الى يد اللبنانيين في بناء وطنهم ودولتهم على قاعدة لبنان اولا – بعدما دفع لبنان غاليا على مدار اكثر من ثلاثين سنة اثمانا وفواتير باهظة دفاعا عن الناصرية اولا – وفلسطين اولا – ( مع تأييدنا لعدالة ومشروعية القضية) وسوريا اولا – وايران اولا – والصراع ضد الولايات المتحدة الاميركية والغرب على ارض لبنان اولا – الى ما هنالك من خيارات دمرت لبنان واسقطت الدولة والمؤسسات والنظام في دوامات من التقاتل والدم والتخريب – فاليوم وان كان الصراع العسكري قد هدأ (ولو قليلا منذ 7 ايار المشؤوم ) الا انه لا يزال في العقول والنفوس والقلوب والنوايا والنظرة ماثلا امام العيون والوجدان والذكرى – وقد تحول سلاح المقاومة الى سلاح زعزعة الاستقرار الداخلي والتوازنات الداخلية واسقاط لشرعية الدستور والنظام واتفاقية الطائف.

لن يكون للحكومة يوم راحة واستكانة طالما استمرت عقلية ان "ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم" وان "اما ما نريد واما لا شيء لاحد – وما استمرت عقلية تحاول اقناعنا بان الدولة والمقاومة في ان ممكن – وقد عجز المؤرخون وعلماء الانتروبولوجيا السياسية – والجيو – سياسة الى الان عن اعطائنا ولو سابقة تاريخية او استراتيجية واحدة في التاريخ لاحدى دول او شعوب العالم التي شهدت مثل هذه الفرادة في صيغ الدول والحكم والتعايش. ونحن نعرف وكلنا يعرف ان المقاومة لا تكون الا عندما تنهار وتغيب الدولة والجيوش النظامية – فبدل ان نخترع ونبتكر (وقد ضربنا في لبنان الارقام القياسية في ابتكار الوصفات والصيغ التسووية والقواعد البارا- دستورية وما تحت الدستورية وما فوق الدستورية) قواعد جديدة هي في الواقع استثناء للمنطق والعقل والممكن والمقبول والمعقول – ها اننا نرزح تحت وطأة تلك الابتكارات والهرطقات من دون مجال لاي خيارات اخرى الا خيار المواجهة والتكفير ان نادينا باحترام الدستور والقيم الديمقراطية ونظام الطائف.

وبالاذن من الصحافي اللبناني الشهير المرحوم الاستاذ جورج نقاش: صحيح ان الدولة والسلاح غير الشرعي "نفيان لا يؤلفان امة" لا بل "نفيان لا يؤلفان وطنا". ففي حين قالها المرحوم انذاك في مقالته الشهيرة في جريدة الاوريان بتاريخ 10/3/1949 – في معرض وصفه لانقسام اللبنانيين الى تيار وطني يريد العمل للبنان وتيار اخر يرى الوطنية اقليمية وخارجية اكثر – فاننا اليوم نعيش تقريبا نفس الانقسام على نفس المفهوم انما طبعا مع تغير الظروف وتبدل التحالفات والاصطفافات الوطنية عما كانت عليه عام 1949 – بحيث ان اللبنانيين اليوم منقسمون عموديا حول فكرة لبنان ومبررات وجوده واولويات دوره – بين من يريد العمل للبنان الاول مع تضامنهم الكامل مع القضايا العربية والاخوة العربية والالتزام الكامل بقضية فلسطين المركزية وبين من يريد العمل للمحيط الاقليمي انطلاقا من لبنان ولو ادى ذلك الى تسخير كل لبنان واخضاعه دولة وحكومة وشعبا ومؤسسات ودستوراً وقانونا ونظاماً .

فكما ان الاصطفاف الحاد بين اللبنانيين عام 1949 ادى الى تحويل الميثاق الوطني انذاك الى ميثاق اكثر طائفية لا بل حوله الى ميثاق طائفي كذلك الاصطفاف الحاد اليوم بين اللبنانيين – مع تغير التحالفات – ادى ويؤدي الى تحويل اي اتفاق او صيغة الى صيغة مذهبية بما فيها تشكيل الحكومة حاليا.

ففي ظل هذه المعادلة ان الحكومة العتيدة ستولد – ان ولدت – مبتورة وعاجزة عن رسم خط وطني بعيد المدى واحد وجامع للبنانيين لانها ومن الان ستكون حكومة التسوية الوقتية والصيغة المبتذلة والتشويه الدائم لحقيقة النظام الديمقراطي في لبنان – وستشكل بالنسبة للعابثين بالنظام والدستور سابقة للمزيد من الهرطقات الدستورية والسياسية مستقبلا .

فيا ليتنا نكون خاطئين في ما نقول …

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل