وحديث الرئيس نبيه بري في "محاولة خلق" فتنة سنيّة ـ شيعيّة!!
النقطة الثانية التي استوقفتنا (وذكرنا بالأمس حديثنا عنها اليوم) في خطاب الرئيس نبيه بري (بتاريخ 17 تشرين الأول) وهي قوله: "أمام محاولة خلق فتنة مذهبية سنيّة شيعيّة ووضع إيران في وجه العروبة، واستبدال الصراع العربي الإسرائيلي بصراع عربي إيراني"، مع أن الفتنة "مخلوقة وخالصة" وتبعث حيّة من قرنٍ إلى قرن..
والحديث عن "خبرية" محاولة خلق فتنة سُنيّة ـ شيعيّة، يأتي دائماً مصحوباً بدعوة وجود طرف حيناً هو أميركا، وحيناً هو إسرائيل، وأحياناً كثيرة "كلتاهما" معاً، وفي أحايين أخرى هناك "عدو مجهول يتآمر على المسلمين"، أو بحسب بعض المؤرخين وكتاب السيرة "المتهمين" بأنهم مؤرخو "السلطة" (سلطة الخلفاء الراشدين، سلطة الخلفاء الأمويين، سلطة الخلفاء العباسيين) فهم "زوروا" وقائع التاريخ، أو أرخوا بما يناسب السلطة، أو بما يُناسب الفرق لاحقاً، أو بتواطؤ "اليهود" بل "أحبارهم" الذين اندسوا بين صفوف المسلمين، مثلما نجد هذه التهمة عند المسيحيين، وأفسدوا الدين والتاريخ والسياسة، ولم نكن مرة نحن مَن يسأل عن الفتنة "السُنيّة – الشيعيّة" مع أننا وقودها غالباً وحطب نيرانها التي تشبّ وتستعر، أو تخبو وتظل "جمراً تحت الرماد"، بحسب ما تقتضية "موجات" القوة والضعف السياسيين…
عن أية محاولة خلق فتنة يا دولة الرئيس تُجافي التاريخ محذراً منها؛ ولنا في هذه الفتنة تاريخان وتراثان ومكتبات ومؤرخون ومحدّثون للطرفين، والأهم روايتان!! أهو تحذير من محاولة فتنة عربية ـ إيرانية، وإيران تمدّ أيديها وأرجلها و"تبحت" في العالم العربي يميناً وشمالاً، من اليمن إلى مصر إلى لبنان إلى فلسطين والعراق، وقريباً على ما يبدو باكستان!!
عن أية محاولة فتنة، وتاريخنا الإسلامي في الفتنة معروف ومشهود!! أهي الفتنة التي بدأت عند "السُنّة" في مقتل الخليفة عثمان بن عفان يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35 من الهجرة (حزيران سنة 656 م) والتي تذكرها كتبهم بوصفها أول فتنة في تاريخ الإسلام؟ أم الفتنة التي تؤرّخ لها كتب الشيعة منذ وفاة النبي (ص) عام سنة 632 م وبيعة سقيفة بني ساعدة؟ أم الفتنة التي استعرت مع موقعة الجمل التي وقعت في البصرة عام 36 هـ 657 م، أم في وقعة سنة 39 هجرية – 660 م، أم في واقعة التحكيم أثناء المعركة، وفتنة ظهور أول فرقة "تكفيرية" في الإسلام التي عُرفت بالخوارج، والذين اغتالوا الإمام علي بن أبي طالب في 21 رمضان 40 هـ/ 28 شباط 661 م؟
أم الفتنة التي عصفت فحولت الخلافة إلى ملك في زمن معاوية وبني أمية في 41-60 هجرية 661-679 م، أما عندما عنّ لمعاوية أن يسأل أهل الشام ويستشيرهم في الأمر، فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعده من بني أمية، فرشح ابنه يزيد، فحلّ البلاء على المسلمين بخليفة متهتك فاسد عام 60 للهجرة، وقد حكم لمدة أربع سنوات كانت من أكثر الفترات تأثيراً ودمويةً في التاريخ الإسلامي!!
أم الفتنة الكبرى في خلافته والتي يشيب الولد والرضيع عندما استشهد الحسين في معركة كربلاء المفجعة، يوم العاشر من محرم سنة 61 هـجري المسمى بعاشوراء، والذي يحتفل به الشيعة بمشاهد دموية بعض مراجعهم يقرها والآخر يُنكرها، فيما يصومها السُنّة اقتداء برسول الله لأنه أولى بموسى من اليهود، وهو يوم نجاة في تاريخ الأمم التي قبلنا، وتاريخ بلاء ودماء في تاريخنا لحكمة لأمر لا يعلمه إلا الله.. أم الفتنة التي أتاها أهل الكوفة والذين بحسب بعض المصادر الشيعية بأن 000.18 منهم بايعوا الحسين ليكون الخليفة ثم رأى الحسين تخاذلهم وتخليهم عنه كما تخلوا من قبل عن مناصرة مسلم، وبلغ تخاذلهم أنهم أنكروا الكتب التي بعثوا بها إلى الحسين حين ذكرهم بها؟!
أم الفتنة التي جاءت مع العباسيين، ثاني السلالات من الخلفاء 750-1258 م، والتي استعرت بأكثر مما شهده عصر بني أمية بين أبناء العمومة الطالبيين والعباسيين والتي ما إن وافى السفاح أجله وخلفه أخوه الأكبر أبو جعفر المنصور حتى كشرت الفتن عن أنيابها، ولكنه واجهها وتخلص من خصومه واحداً بعد آخر، فتخلص من عمه عبد الله بن على الثائر عليه بأبي مسلم الخراساني صاحب الدولة، ثم تخلص من أبي مسلم كما تخلص من زعماء آخرين توسم في بقائهم خطرا على دولته ؟! أم الفتنة التي "هلّت" في زمن هارون الرشيد بعد صراع فرس وعرب وقد تحدثت الدنيا عن نكبة "البرامكة" على يديه سنة 187هـ/ 803م، بعدما ظهروا ظهورًا غطى أو قارب أن يغطى على سلطة الرشيد ومكانته، وهو الخليفة.
والسؤال الذي يتقلّب على جمر الفتنة: هذا هو تاريخنا منذ عام 632 ميلادية، والأخ كريستوف كولومبوس اكتشف في رحلته البحرية الثانية القارة الأميركية الشمالية عام 1498 م، وإذا كانت دولة العدو إسرائيل تأسست في 14 أيار/مايو 1948م حيث تم إعلانها من قبل المجلس اليهودي الصهيوني في فلسطين في اليوم المتمم لفترة الانتداب البريطاني حسب قرار الأمم المتحدة وحكومة بريطانيا، وفي ظل حرب بين العرب واليهود أسفرت عن النكبة الفلسطينية وإبادة الكثير من المدن والقرى الفلسطينية، فمن الذي افترى علينا بهذه الفتنة؟ وبين اكتشاف أميركا وقيام إسرائيل ما يقارب الألف وأربعماية عام ويزيد، فكيف يا دولة الرئيس ننفي تاريخ فتنة متجذرة، ونحسبه محاولة خلق فتنة، ونحبسه في صراع عربي ـ إيراني، وهو على وجه الحقيقة "فارسي ـ عربي" له في تاريخنا جذور عميقة ضاربة منذ "القادسية" وسقوط ملك كسرى، ولا داعي لنبشها هي أيضاً هاهنا!!
الفتنة في تاريخنا خدمة قائمة ومجانية يعني (For Free) و(Take A Way) ايضاً للمستعجلين عليها وبها، فرحمة بعقولنا كفّوا عن التعاطي معنا على اعتبارنا سذّجاً، فما يقال من الطرفين وراء جدران البيوت والأماكن المغلقة غير الذي يُقال في العلن، كفانا "نفاق تكاذب، ونفاق وحدة"، فتاريخنا يشهد علينا، والمحزن يا دولة الرئيس أننا نقول بألسنتنا ما ليس في قلوبنا، والمحزن أيضاً أنّ ما يُقال في اللقاءات العامة وعلى المنابر وطاولات الحوار هو غير الذي يقال في السرائر والضمائر وتحت طاولات المحاورة والمناورة؟! وجيلاً من بعد جيل يحمد كل جيل أنه لم يولد في زمن الفتنة التي سبقت لأنه "بدّك عقل يحمل" يا دولة الرئيس!!
