#adsense

تكريس “النظام البديل”

حجم الخط

تكريس "النظام البديل"

مَنْ لا يعلم أن الناس تصبُّ اهتمامها على انتظار تصاعد الدخان الأبيض من بيت الوسط، معلناً تأليف حكومة سعد الحريري بصيغتها "التوافقية" النهائية؟
لكن المسألة هنا تتصل مباشرة بهذه "التوافقية"، وبالنظام الديموقراطي البرلماني الذي بناه الاستقلاليون الاوائل لبنة لبنة، وأقسموا يمين الولاء له والمحافظة عليه والارتضاء به مرجعاً وحكماً.

إذاً، لا بدَّ من التوقف لحظة والتدقيق في هذه الظاهرة، التي قد نكتشف لاحقاً انها وليدة خطة تستهدف الأسس والدعائم التي ترتكز عليها الصيغة اللبنانيَّة التي وفرت لبلد الثماني عشرة طائفة هذه الفرادة، وهذا التميز على مستوى المنطقة والعالم.
شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم، وخطوة إثر خطوة، ومن حيث لا ينتبه نواطير النظام أو أُولئك الذين يُفترض أن يكونوا حماة الديموقراطية والساهرين على شعلتها، يتسلَّل "نظام" آخر بتأنّ وحذر ومثابرة، شاقاً لنفسه درباً يؤدي به الى اعتلاء الصدارة، مما يمهد للتسليم به مرجعاً بديلاً، أو نظاماً بديلاً.

وتحت عنوان التوافق، أو التوافقية، أو التفاهم المسبق على كل ما تقتضي الأصول والأعراف والتقاليد الرجوع به الى النظام الديموقراطي البرلماني، حيث يكون الاحتكام عندئذ دستوريّاً وشرعيّاً.

خطوة إثر خطوة، وتوافقاً إثر توافق، وحيث يكتشف النظام "الأصلي" وأهله ومؤسّساته أنه صار اسماً لغير مسمّى. أو شاهد زور. أو مجرد واجهة لنظام آخر يدعى نظام "اللجنة" أو نظام "التوافق المسبق" كما هو الحال في ايران.

وكما لا يخفى على الذين يدفعون بالنظام اللبناني، والذي يتميَّز به الوطن الرسالة، في اتجاه التنحّي والانحسار، إن لم يكن في اتجاه الرفوف حيث يتراكم فوقه غبار الزمن والنسيان.
وبدءاً برأس الهرم ورأس النظام ورأس الجمهورية ورأس البلد:

فبالتوافق بين المراجع والأركان والمرجعيّات المذهبيَّة يتم الاتفاق والتفاهم على مَنْ يكون رئيس الجمهوريَّة، ثم "يكرس" مجلس النواب هذا "التعيين" بانتخاب أو تصويت صوري.
كذلك الأمر بالنسبة الى الحكومة تأليفاً وتلحيناً وتشكيلاً.
فالوزراء بحسب التسلسل، ووفق الحقائب الأساسيَّة أو "السيادية"، ثم الترضيات…

وحين يتم الاتفاق على كل شيء، ولو بعد أشهر من الحوارات والمشاورات واللقاءات والتدخلات الخارجيَّة "الفعالة"، يُعلن رسميّاً تشكيل الحكومة الجديدة، وتصدر المراسيم.
كذلك الأمر بالنسبة الى الانتخابات النيابيَّة والبلدية والاختيارية. كله بالتوافق المسبق، عند هذا الفريق كما عند ذاك.
ولا ننسَى انتخابات اللجان النيابية.

حتى بالنسبة الى وظائف الفئة الاولى والثانية والثالثة والرابعة، والى آخره.
وقد شهدنا نماذج متعدّدة وصافعة خلال السنوات الأربع الأخيرة، بعد الاقامة الطويلة لوصاية عنجر، حيث ذهب النظام في إجازة قسرية.
السفراء أيضا. البعثات. الوفود. الجمعيات. الأندية. المهرجانات…

أما الصناديق والمجالس التي تبيض ذهباً أربعاً وعشرين قيراطاً، فها هي تستغيث ولا مَنْ يصغي اليها. فالتوافق قال كلمته. ومهما علا الصراخ، ومهما بلغت الفضائح بروائحها، فما من قوة تستطيع ان تغيّر حرفاً.
أيها اللبنانيون، إن البلاغ الرقم واحد صدَرَ وصدَحَ، و"عيّن" التوافق نظاماً رديفاً… يكاد يحلُّ أصيلاً. فتفكَّروا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل