"Score" لبناني بامتياز
التجسس على شبكة "حزب الله": ماذا بعد؟
عندما نشب الخلاف حول موضوع شبكة "حزب الله" للاتصالات، غرق البلد في حوادث 7 ايار 2008 الدموية، ليسكن لبنان في حينها شبح الحرب الاهلية مجددا، ويبدل في مسار الامور والتحالفات.
اعتبر الحزب آنذاك ان المس بشبكته للاتصال هو خط احمر وجب قطع يد كل من يحاول الاقتراب منها لأنه يجرد الحزب من مقومات أمنه.
في المقابل قال الحزب قبل ايام انه حقق انتصارا جديدا على اسرائيل عندما اكتشف أجهزة التنصت في وادي حولا مفككا والجيش و"اليونيفيل" واحداً منها، بعدما فجرت اسرائيل الآخر او اثنين منها.
ورأت وسائل اعلام نقلا عن سياسيين ومحللين – ربما استراتيجيين – ان العملية فصل جديد من انتصار المقاومة، لكن اياً من هؤلاء السياسيين والمحللين والاعلاميين لم يتناول الوجه الآخر للقضية، وهي بلوغ اسرائيل تلك الشبكة الامنية الدقيقة، والسرية جدا وفق ما هو مخطط لها، والتجسس عليها منذ العام 2006، وبالتالي فشل الحزب في حمايتها، وجعلها في منأى عن أي مراقبة. ولم يسأل احد عما اذا كانت هناك أجهزة اضافية على الشبكة الخاصة، وفي اماكن عدة من لبنان!
في اي حال يصبح السؤال جائزا عما اذا كان ما حصل يشكل انتصارا فعليا على العدو، ام هو التستر على انتكاسة وخيبة من نقص – وليس تقصيراً لأنه غير مقصود – في الاجراءات اللازمة للحماية؟ وهل يعني ان حركة اتصالات قيادات المقاومة كانت تحت المراقبة في الجنوب وفي كل مكان؟
المعلومات عن أجهزة التنصت غير متوافرة لنا، وربما لغيرنا، لكن الاكيد هو دقتها للغاية حتى انها تفجرت من تلقاء ذاتها عندما استشعرت خطر المقاومة، ولو في غطاء الجيش والقوة الدولية العاملة في الجنوب.
ثمة فلسفة دائمة للأمور، وهي تحقق لنا بعض الرضى الذاتي، وتتلاعب بالحقائق اعلاميا، وامام جمهور واسع لا يدقق في التفاصيل. لكن ان لا يتنبه الاعلاميون الى الامر، فتلك مصيبة، لأنها لا تعبّر عن جهل، وانما عن تواطؤ.
شبكة "حزب الله" للاتصالات دخلت المعادلات الاقليمية وصارت موازية بالاهمية لسلاح المقاومة في وجه العدو الاسرائيلي. وبما ان الشبكة واحدة، فهذا يعني انها انكشفت بكاملها. فهل لا تزال على اهميتها؟ وماذا بعد؟
لبنان وموسوعة "غينيس" للارقام القياسية
يا لفرحة القيّمين على موسوعة "غينيس" للارقام القياسية بلبنان واللبنانيين. فنحن حريصون على العالمية والنجومية ولدينا دائما "SCORE" عالٍ في كل الارقام والمقاييس والانجازات. فمن عندنا انطلق الحرف. واوروبا سميت على اسمنا، على ارضنا جال الانبياء، ومن عندنا خرج القديسون وكبار العلماء، وساهمنا في قيام الامم المتحدة، وجامعة الدول العربية حتى وصلنا اخيرا الى "غينيس"، وكأننا وجدنا فيها منفذا جديدا لنا على العالم. لكن الخوف، كل الخوف، من ان نتلهى بالارقام القياسية، ونضيع ارثا وتراثا ودورا حضارياً لعبناه في الماضي.
ماذا عن "غينيس"؟
– السبت سيكون لدينا اكبر صحن حمص في العالم، وسيكون لدينا ايضا اكبر صحن تبولة في العالم.
– وقبل ايام كان لدينا اطول
طرحة عروس في العالم.
– وقبل اسابيع احتفلنا بأكبر صينية كبة في العالم.
– وقبل شهر سجل لبنانيون في مونتريال اكبر حلقة دبكة في العالم.
– وقبل اكثر من سنة، رفعت في حريصا اطول مسبحة في العالم.
وماذا بعد؟ لدينا المزيد نسجله في الموسوعة، واليكم امثلة:
– سجلنا ونسجل رقما قياسيا في اطول عمر لحكومة تصريف اعمال واطول مدة تكليف في انتظار ولادة الحكومة.
– سجل رئيس مجلس نوابنا اطول ولاية في العالم ربما، لم يسبقه فيها الا نقيب المحررين في لبنان.
– سجل زعماؤنا الذين يتوارثون الحكم من الجد الى الابن والحفيد وانجاله اطول عمر لعائلات سياسية ما زالت تحكم.
– سجل عدد من سياسيينا ارقاما قياسية في الانقلابات والتقلبات والتحالفات المتناقضة مع وعلى ذواتهم ومواقفهم وحلفائهم.
– سجل عجزنا المالي الرقم الاعلى قياسا الى حجم موازنتنا وحجم بلدنا.
– لدينا من الجمعيات والمنظمات ما يفوق اكبر دول العالم وأغناها.
– لدينا كميات من السلاح الفردي تفوق اي معايير – إن وجدت – في العالم.
– سجلت في مواجهة بعضنا البعض اكبر تظاهرات قياسا الى عدد سكان لبنان.
– نسجل وجود اكبر عدد من الغرباء على ارضنا وهو غير حاصل الا في دول الخليج العربي حيث يتجاوز عدد الوافدين عدد المواطنين.
– نسجل اعلى نسبة تقنين للكهرباء في العالم حيث تتوافر الطاقة الكهربائية، ولا تسبقنا الا دول في مجاهل افريقيا لم تصل اليها الكهرباء اصلا.
– نسجل اكبر عدد من كلمات المجاملة الفاقدة معناها في العالم مثل حبيبي، وصديقي، وخيي، و"ع راسي"، و"تكرم عينك"، و"بتأمر"، و"ما بتكون الا مبسوط"…
اذا ارادت مجموعة "غينيس" ان تسجل ارقاما جديدة في كل يوم فما عليها الا ان تعيّن سفيرا دائما لها في لبنان.
اميركا ليست الشيطان الاكبر!
فيما كنت اقرأ الزميل رضوان عقيل في مقاله "بن لادن وشعار الموت لأمريكا رافقاني في رحلتي" في العدد الماضي عادت بي الذاكرة الى بيت جارتي حيث شهدت على حوار حول اميركا احتدم حتى فضل المتشادون في الكلام الصمت عنه لئلا تتطور الامور بين الاقارب الى ما لا تحمد عقباه. وقد استدركت سيدة مسنة مسار الحوار وقفلته بقولها "اميركا منيحة او مش منيحة رح تخلفنا ببعضنا".
وفي الحوار، الشيعي بامتياز، قال شاب انه يكره اميركا وهي الشيطان الاكبر، فردت عليه سيدة تعيش مع عائلتها في اميركا لتذكّره بأن والديه واخوته الاصغر منه يعيشون في الولايات المتحدة الاميركية، وان والده الذي ذهب رغماً عنه، صار لا يحتمل البقاء في لبنان اكثر من شهرين "صيفية" وهو يحزم حقائبه قبل الموعد المحدد لسفره، وانه كان يكرر العبارة نفسها "الموت لأمريكا" قبل ان يتعرف الى بلاد العم سام.
واردفت السيدة بقولها "ليس الموت لأمريكا ابداً، فنحن وعيالنا نعيش فيها ونعتاش من خيراتها، وهي ملجأ الفقير، وسيدة الحريات ولولاها لبقينا فقراء في وطننا، ولما ملكنا المال حتى لنذهب الى الحج. في اميركا يعيش المسيحي والمسلم والبوذي واليهودي، لا فرق. ولا حرب عندنا، ولا ميليشيات، ونحن نتشارك في الانتخابات وفي كل الحياة العامة، وقد جئنا برئيس شكّل صدمة لكل العالم، فيما نحن في لبنان غير قادرين على تبديل نائب".
وتابعت بحدة "من اين تصرف يا استاذ، اليس من دولارات والدتك التي ترسلها اليك تباعا؟ وبأي سلاح تحارب اسرائيل، وبأي سيارة تنتقل مع عائلتك؟ اليست كلها اختراعات اميركا والغرب؟ وحده الحمار لم يخترعوه بل ولد من عندنا".
ولما اجابها ان الحياة هنا افضل قالت له: "اسأل مجرب، ولا تردد كلام غيرك".
اعادتني الى هذا الحوار كلمات رضوان التي علّق عليها كثيرون، ومنهم زملاء، معتبرين انه، رغم خبرته، بانَ طري العود، اذ بدّل نظرته الى الاميركيين منذ المشوار الاول.
لكنه دافع عن نفسه بأنه لم يبدل موقفه من السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، وانما تعرف الى الشعب الاميركي الذي لا يتحمل مسؤولية السياسات المتعاقبة لرؤسائه.
نعم اكتشف رضوان، ان اميركا ليست بكل مكوناتها شيطانية، والاهم، ما لم يقله، هو اكتشافه "شيطانيتنا" في غسل الدماغ وفي الاحكام الجاهزة.
رضوان لم يدافع عن اميركا، ولن افعل ذلك حتما، لكن النقد الذاتي يبقى ضروريا في كل حين، وقد يكون مفتاحنا الى التعبير الحر بعيدا من قيود كثيرة تحاصرنا.