#adsense

عضوية لبنان في مجلس الأمن تحدي اثبات الاستقلالية وفرصة الإفادة من المتغيرات

حجم الخط

عضوية لبنان في مجلس الأمن
تحدي اثبات الاستقلالية وفرصة الإفادة من المتغيرات

كاد الإنهماك الداخلي بعملية تشكيل الحكومة العتيدة يغطي على الحدث الاستثنائي المتمثل بانتخاب لبنان عضواً غير دائم في مجلس الأمن كواحد من الدول العشر المنتخبة لمدة سنتين (2010- 2011)، بما يعنيه ذلك من عودة هذا البلد بقوة الى الساحة الدولية من بابها العريض، وبما يرتبه عليه من تحديات ليس أقلها اثبات استقلاليته عن تجاذبات المحاور الدولية والإقليمية وممارسة ديبلوماسية فاعلة على المستويين الدولي والإقليمي تحقق المكاسب للبنان وللمجموعة التي يمثلها بمقدار ما تدفع المخاطر عنهم. وذلك خصوصاً أن ملفات كثيرة وحساسة تتعلق به (وهي ليست محل اتفاق داخلي)، أو بجيرانه الأقربين والأبعدين ستكون مطروحة للنقاش على طاولة مجلس الأمن، وسيكون على لبنان اتخاذ مواقف منها.

والواقع أنه مع بدء ولاية مجلس الأمن المقبلة مطلع العام 2010، ستكون ملفات مشتعلة عدة لا تزال مطروحة أمامه، منها ما يتعلق بالشأن اللبناني، كالقرارات الدولية (1559 و1701)، وهي فرصة لأن يقارب متابعة تنفيذ هذه القرارات من موقع أقوى، إذ سيكون شريكاً في مناقشات الطاولة وليس مراقباً لما يجري حولها، وفرصة أيضاً لتسليط الضوء على مواصلة إسرائيل خرق القرار 1701 وانتهاك السيادة اللبنانية واستمرار احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية.

إلى ذلك، فإنه من المرتقب أن تكون أمام المجلس ملفات أخرى للبنان علاقة غير مباشرة بها، كالعملية السلمية في الشرق الأوسط والملف النووي الإيراني، وهي ملفات تنعكس تداعياتها بشكل أو بآخر على الساحة اللبنانية، فهل سيمتنع لبنان عن التصويت على فرض عقوبات على ايران ويخالف في الوقت عينه أي رأي أو اي موقف لأي من الدول العربية مثلا التي قد تعتبر ان تطوير ايران للسلاح النووي يمثل خطرا على أمنها؟
ثمة من يقول إن عضوية لبنان في مجلس الأمن ستلزمه باتخاذ مواقف علنية مما يطرح أمام المجلس، وهو أمر يجعله حتى لو مارس الامتناع عن التصويت طرفاً في صراعات المحاور المختلفة فيدفع مقابل تصويته في نيويورك حول أي قضية خلافية ثمناً سياسياً أو أمنياً في بيروت.

لكن هناك من يؤكد أن مسؤولية لبنان في موقعه الدولي الجديد سترتد إيجاباً على صورته ومكانته وعلى مسيرة تعزيز سيادة منطق الدولة فيه، إذا أحسن استخدام هذا الموقع المهم كفرصة لإثبات أنه بلد مسؤول، حر، مستقل، لا تسيره الانقسامات ولا الأزمات، وبالتالي فإنه سيفرض نفسه على الساحة الدولية كدولة جديرة بالاحترام والمشاركة على قاعدة النديّة، وصاحب ديبلوماسية فاعلة لطالما تميز بها عقوداً طويلة مستفيداً من تجربته الغنية في إدارة التنوع واحترام مقتضيات الشراكة وكبلد مؤسس للمنظمة الدولية بما هي راعية السلام والأمن الدوليين.

لكن أصحاب الرأي الأول يلفتون إلى أن لبنان سيكون مضطراً، بناء على معادلاته السياسية الداخلية المعقدة، إلى اتخاذ مواقف داخل مجلس الأمن تكون محكومة بكثير من القيود والاعتبارات الداخلية والإقليمية، كقراري مجلس الأمن (1959 و1701)، والملف النووي الإيراني، وبالتالي سيكون ملزماً بمقاربة هذه الملفات وفق ما يحفظ أمنه الداخلي واستقراره. ويلفت هؤلاء إلى أن لبنان سيكون أمام إشكالية عملية تتصل بطبيعة عمل مجلس الأمن، لناحية أن عدداً كبيراً من الملفات تستوجب من الدول الأعضاء اتخاذ مواقف قد تكون سريعة بحسب طبيعة الملف أو أهميته أو حساسيته، في حين أن معظم الأمور في لبنان تأخذ طابع المناقشات السياسية لأي ملف إن لم تتعد ذلك إلى حسابات واعتبارات أكثر حدة، وهو ما قد يشكل مزيداً من الانقسام الداخلي.

في المقابل، تؤكد أوساط ديبلوماسية ان لبنان سينتهج في مجلس الامن الدولي موقفاً يحافظ على علاقاته مع الدول الصديقة والشقيقة ويتجانس في الوقت عينه مع الموقف العربي الذي يخرج به مجلس الجامعة العربية مجتمعا، ولا يتعارض أيضاً مع التزاماته أمام المجتمع الدولي في كل ما يضمن أمنه واستقراره وسلامة أراضيه.

هذه الأوساط الديبلوماسية، لا تتوقف كثيراً عند الحديث عن هذه الهواجس الإشكالات، إذ تعتبر أن الفيصل في هذه الأمور هو وجود سياسة وطنية حكيمة قادرة على تحويل كل المخاطر إلى فرص، بل وتحويلها إلى مكاسب يثبت لبنان من خلالها أنه قادر على التصرف – نيابة عن المجموعة العربية كاملة كدولة مسؤولة لا تتصرف وفق حسابات ضيقة أو آنية، خصوصاً وأن مسائل العلاقات الدولية لا تخضع للاعتبارات محض الأخلاقية، بل للمصالح أو حتى الصفقات أو التفاهمات في زمن يتسم بالسرعة والميل نحو الحوار واعتماد الواقعية. لذلك، تضيف هذه الأوساط، من الأهمية للبنان أن يراقب أجواء العلاقات الدولية والإقليمية بما تحمله من تحولات وتقاربات، ويجعل منها فرصاً للإفادة منها.

إذاً، الرهان هو على وجود "الدولة" التي تمارس دورها باستقلالية ومسؤولية ووعي، والتي تكون قادرة على تجاوز مخاطر أن يكون تصويت لبنان في مجلس الأمن تصويتاً بين سلمه الأهلي ومصالح الآخرين، وهو ما ينطبق على كل الملفات التي تشهد شدّ حبال بين المحاور الدولية والإقليمية وللبنان علاقة مباشرة أو غير مباشرة فيها. وذلك من دون إغفال أن لبنان في مجلس الأمن يمثل صوت الأكثرية العربية في إطار الأسرة الدولية، وبالتالي فإنه يصوّت باسمها وباسم مصالحها الاستراتيجية والحيوية. أما في ما يخص عملية السلام في الشرق الأوسط، فإنه من المرجح أن يضطلع مجلس الأمن خلال الفترة المقبلة بدور مهم بموازاة سعي إدارة الرئيس باراك أوباما لدفع مسار العملية السلمية إلى الأمام، خصوصاً وأن ثمة حديثاً يتزايد عن مسعى روسي لاستضافة مؤتمر أنابوليس 2 بالتنسيق مع الرباعية الدولية يهدف إلى تسهيل وتعزيز الظروف الملائمة لاستئناف مفاوضات السلام في المنطقة باسرع وقت ممكن، وهو الأمر الذي شكّل محور زيارة الموفد الخاص لروسيا الاتحادية الى الشرق الاوسط الكسندر سلطانوف الى لبنان والمنطقة مطلع الاسبوع الجاري.

أما في ما يخص العدالة الدولية، فإن لوجود لبنان على طاولة مجلس الأمن أهمية مضافة مع تحويل تقرير غولدستون حول الحرب الإسرائيلية على غزة إلى الأمم المتحدة، حيث احتمالات أن لا تبقى إسرائيل خارج دائرة المحاسبة الدولية كبيرة، دون إغفال أي دور مفترض لمجلس الأمن قد تحتاج اليه المحكمة الخاصة بلبنان في حال تعثر عملها أو امتنعت أي من الدول عن الاستجابة لطلباتها.

وفي كلا الحالتين فإن لبنان أمام فرصة تاريخية لتكريس ثقافة عدم الإفلات من العقاب لأي دولة أو كيان أو طرف يخرق السلم الدولي أو يقترف جرائم ضد الانسانية، ولإعادة الاعتبار لمجلس الأمن والأمم المتحدة كطرف دولي محايد يرعى تطبيق القانون الدولي المبني على قيم العدالة والقانون والمحاسبة.

تحديات ومخاوف تقابلها فرص وتحولات ومتغيرات، فهل سيحوّل لبنان موقعه في مجلس الأمن إلى فرصة للعب دور دولي رائد وفاعل ينعكس على مسيرة بناء الدولة فيه من جهة، ويؤكد دوره كوسيط تمر عبره الحلول والسياسات الدولية نحو المنطقة، أم سيخسر هذا التحدي؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل