من سؤال إلى أين؟ إلى سؤال إلى متى.. إلى سؤال ما العمل؟
في أساس التعطيل: عدم توفّر البدائل المناسبة لـ"الثلث المفقود"
في أيّام "الحرب السرّية" على حركة الاستقلال اللبناني الثاني، ثم في أيّام الاحتكام إلى لعبة الأمن والانقسامات الأهليّة، كان سؤال "إلى أين؟" سؤالاً يُطرح، وكان المقصد منه معرفة إن كان مقدّراً للبنان أن ينتقل من وصاية سوريّة مدعّمة بمنطق "فرّق تسد" إلى وصاية إيرانيّة مسندة بالمشروع الهيمنيّ الفئويّ الأخير في البلد، أو إذا كان مقدّراً للبنان أن يمضي بدلاً من ذلك نحو تحقيق مشروع دولة لها ما لغيرها من الدول العربية وعليها ما عليها، وهذا مختصر مشروع الاستقلال الثاني والوجه العربيّ له.
ما بين 7 أيّار 2008 و7 حزيران 2009 قام الواقع اللبنانيّ بالإجابة على سؤال "إلى أين؟"، فثبت أنّه لا يمكن للعبة السياسيّة أن تستقلّ بذاتها في ظلّ تسيّد اللعبة الأمنيّة، كما ثبت أنّه لا يمكن للعبة الأمنيّة أن تلغي اللعبة السياسيّة. ومع الانتخابات الأخيرة دخل المشروع الهيمنيّ الفئوي الأخير لحظة "الانسداد التاريخيّ" أمامه ولا نقول لحظة "تهافته" أو "تخلّعه" فهذه اللحظة قد تتأخر، وقد لا تأتي في أمد معلوم.
وفي ظلّ انسداد الأفق التاريخيّ للمشروع الهيمنيّ الفئوي الأخير، مع بقائه عصيّاً على التضعضع أو الانكفاء، فقد تبدّلت علامة الاستفهام، وبدلاً من صيغة "إلى أين؟" صرنا إلى صيغة "إلى متى؟". إلى متى تستمرّ هذه المرحلة "الانتقاليّة" بين انسداد أفق المشروع الهيمنيّ الأخير وبين أفول نجمه؟ إلى متى يستمرّ تحكّم اللعبة الأمنيّة باللعبة السياسيّة رغم نتائج الانتخابات؟ وبشكل أكثر تركيزاً: إلى متى يستمرّ البلد الخارج من انتخابات نيابيّة من دون حكومة تعكس، بطريقة أو بأخرى، كلاً من نتائج الانتخابات والتعددية الطائفية التي على أساسها جرت الانتخابات؟
وقد تداخل سؤال "إلى متى يظلّ البلد بلا حكومة؟" مع السؤال "إلى متى تظلّ السياسة لعبة تخمينات تشاؤمية وتفاؤلية؟" وإلى متى يصير الإعلام سجين "الأجواء" بدلاً من العناية بـ"الأخبار"؟ وفي المقابل إلى متى يظلّ البلد في "مظهر التسيير الذاتي" لشؤونه من دون حاجة إلى حكومة، حتى وهو يحوز على عضويّة مجلس الأمن الدوليّ؟
إلا أنّه ومع اشتداد إلحاح السؤال "إلى متى؟" والبلد بلا حكومة تنهض بشؤون ناسه، فقد تحوّلنا شيئاً فشيئاً إلى لحظة بات من الواجب فيها طرح سؤال "ما العمل؟". فما العمل إن ظلّ قيام الحكومة ممتنعاً في لبنان، حتى بعد الاتفاق على صيغة التشكيل، وحتى بعد القمة السعودية السورية، وحتى بعد كل ما جرى من لقاءات واتصالات بين الفرقاء، وكل ما بذله الرئيس المكلّف سعد الحريري على هذا الصعيد؟
فـ"ما العمل؟" إن ظلّت الحكومة ممنوعة عن التشكيل، وظلّ عهد الرئيس ميشال سليمان تحت وطأة "التعطيل"، وظلّ التفاؤل يلازم أفقاً دائرياً يصله بالتشاؤم؟
والسؤال يطرح من الدستور وعليه: ما العمل، بموجب أحكام الدستور، أمام وضعيّة تعطيل طال أمده؟ وما العمل، واقعياً، أمام دستور ليس بالمقدور الاحتكام إلى مواد فيه لتجاوز التعطيل.
ما العمل إن ظلّت الحكومة ممتنعة عن التشكّل رغم كل العناء "الديبلوماسيّ" داخلياً وإقليميّاً؟
وربّ سائل، لماذا لا تعمد القوى المحبّة للتعطيل إلى تعطيل ما تريده على طاولة مجلس الوزراء بدلاً من تعطيل قيام هذا المجلس من أصل؟ هل لأن ذلك لم يعد ممكناً، ولماذا لم يعد ذلك ممكناً؟ هل لنتائج الانتخابات علاقة بذلك؟ هل إن سبّب تعطيل قيام الحكومة مردّه إلى انتفاء القدرة على التعطيل من داخلها أو على هامشها في حال قيامها، أي عدم توفّر البدائل المناسبة لـ"الثلث المعطّل" حتى الآن، بحيث يجوز تسميته "الثلث الضائع" أو "المفقود"؟
وإن كانت هذه هي فعلاً الذهنية القابضة على حركة تعطيل تشكيل الحكومة، فهل يمكن المراهنة جديّاً، للمرّة الأولى منذ وقت طويل، على تمايز في موقف المرجعيات الإقليميّة الداعمة للتعطيل في السابق، أو عن تمايز ضمن قوى الأقليّة النيابية إذ باتت تتعالى أصوات تلحظ أن التعطيل زاد عن حدّه، وتؤكد أنّه لا يجوز لحليفها أن يعطّل، وأنّ هناك حدوداً زمنيّة ومنطقيّة لكل شيء؟.
بدءاً من اليوم صار التفاؤل رهناً باتضاح مدى التمايز بين مرجعيّتي الممانعة الإقليمية في لبنان، وأيضاً داخل الأقليّة النيابيّة، بين من يلزم نفسه بأفق زمنيّ وبشيء من التناسق المنطقيّ، وبين لا أفق زمنيّاً يشغله ولا منطقاً يعجبه.