#adsense

هل أسقطت التكتلات المذهبية والمسلحة النظام الديموقراطي؟

حجم الخط

هل أسقطت التكتلات المذهبية والمسلحة النظام الديموقراطي؟
"السياسة التوافقية" تصل الى اللجان لتقيم النهج الشمولي

هل يمكن القول ان العمل بالنظام الديموقراطي قد انتهى في لبنان ام انه مجمّد ريثما يصير اتفاق على نظام جديد قد يكون شبيهاً بأنظمة الدول المحيطة به، وهي انظمة كان يؤمل ان تصاب بعدوى النظام في لبنان، وليس العكس لان التكتلات المذهبية فيه تحول دون ذلك بحيث اصبح لبنان هو المصاب بعدوى الانظمة الشمولية او انظمة الحزب الواحد او الانظمة الديكتاتورية المدنية او الدينية؟

قليلة هي الدول التي تحكم بلا دساتير ولا انظمة وقد اضحى لبنان بكل اسف من بين هذه الدول، بعدما اصبح الاستمرار في تطبيق النظام الديموقراطي شبه مستحيل مع وجود تكتلات مذهبية خصوصاً مسلحة، مكان التكتلات السياسية والحزبية الوطنية التي كانت في الماضي وهو ما جعل الرئيس الحص يكرر القول منذ مدة ان في لبنان "قليلاً من الديموقراطية وكثيراً من الحرية"، وما لم تعد التكتلات السياسية والحزبية الوطنية الى لبنان وتزول التكتلات المذهبية فلا امل في العودة الى تطبيق النظام الديموقراطي فيه الذي تحكم بموجبه الاكثرية وتعارض الاقلية.

والغريب انه قبل الاتفاق على النظام البديل من النظام الديموقراطي بدأت التكتلات المذهبية تطبيق ما يسمى "النظام التوافقي" قبل الاتفاق عليه وذلك تحت طائلة التهديد بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية وفي تشكيل الحكومات، وبات يخشى ان يصبح التوافق مفروضاً في انتخابات اللجان النيابية وقد بدأ ذلك بانتخاب اميني السر والمفوضين حبياً وبالتوافق والتراضي، فكانت التزكية التي رفض الرئيس بري تغطيتها ولو بانتخاب شكلي يحافظ ولو على مظهر من مظاهر النظام الديموقراطي في لبنان، فلم يستجب طلب النائب بطرس حرب الذي دعا الرئيس بري الى الابقاء على الاصول الدستورية وان يصار الى انتخاب اميني السر بواسطة الصندوقة، فاكتفى الرئيس بري بالرد عليه قائلاً: “سمعت رأيك في المرة الماضية والرئاسة لا تؤيده"…

وكان النائب بطرس حرب بعدما رأى ان النظام الديموقراطي في لبنان اصبح في حالة تراجع قد تؤدي به الى السقوط ليحل مكانه نظام آخر قبل ان يصير اتفاق عليه وهو ما يسمى "النظام التوافقي"، او سياسة الحكم بالتراضي سياسياً وامنياً واقتصادياً، قد حذّر في حديث له من ان استمرار الوضع على ما هو عليه هو اسرع طريق لتفجير البلد واسقاط صيغة الحكم والنظام الديموقراطي واتفاق الطائف، وان ما يجري اسقط نتائج الانتخابات وافقدها قيمتها لان قواعد اي نظام ديموقراطي تقتضي ان تحكم الاكثرية وان تبقى الاقلية في المعارضة. فالانتخابات تحصل لاستفتاء الناس حول صدقية المسؤولين وخصوصاً النواب ولمعرفة رأيهم في القضايا المطروحة على صعيد الوطن كله وان تقف اكثريتهم من هذه القضايا، والانتخابات مناسبة ليحاسب فيها الناس المسؤول وليمنحوا من يعتبرونه صادقاً في تمثيلهم وناجحاً في ادائه ثقتهم ليحجبوا هذه الثقة عن الفاشلين وعمن لا يمثل توجهاتهم. ففي الانظمة الديموقراطية قواعد ترعى الحياة السياسية ومنها ان الاكثرية التي تنجح في الانتخابات تتولى مسؤولية الحكم والاقلية تكون في المعارضة والمراقبة ودورها لا يقل اهمية عن دور من يتخذ القرار لانها تكون كالعين الساهرة على عدم مخالفة القوانين والخروج على المبادئ العامة، اذ ان هناك انتخابات كل اربع سنوات، فإذا كانت المعارضة على حق في مواقفها ينتخبها الناس. واليوم ماذا حل بالاكثرية التي انبثقت من انتخابات حرة نزيهة والتي كان عليها ان تحكم لكن الاقلية منعتها ليس بالسلاح ولكن بالقول "السلاح هنا" كي تخاف الاكثرية من استخدامه.

واضاف: ان الاقلية اذا رغبت في ان تشارك الاكثرية في الحكم فعليها ان تشارك على اساس برنامج الاكثرية وليس على اساس برنامجها هي، وليس لها الحق في ان تفرض شروطها بالنسبة الى عدد الوزراء واختيار الحقائب او المطالبة بالثلث المعطل او عدم طرح القضايا الاساسية في مجلس الوزراء قبل الاتفاق عليها وغير ذلك بما يعتبر خرقاً للدستور وتعطيلاً له. ان ما يجري من محاولة توفيق بين السعي لاحلال اجواء وفاقية في البلد وتكريس عرف، هو امر يخيف كثيراً وهو يحذر منه ويعيد التحذير، فحكومة تجمع التناقضات وبدون برنامج متفق عليه، لن يبقى معها نظام ديموقراطي ولن يبقى وفاق، وان لا يتم تشكيل حكومة الا اذا كان كل الناس فيها فعندها ينبغي ان ننعي لبنان وننعي النظام فيه لا بل الحياة المشتركة والعيش المشترك، وهذه افضل طريقة لتفجير المجتمع اللبناني. فالممارسة الديموقراطية شيء والتصادم شيء آخر. ففي كل الانظمة الديموقراطية تتصادم الافكار ويجري النقاش حولها ولكن بدون ان يحمل احد السلاح ضد الآخر وبدون ان يعطل اي فريق الحياة العامة في البلد. فالقاعدة ان يكون في الحكم فريق لديه برنامج وفريق خارج الحكم لديه برنامجه ايضاً واذا اجتمع البرنامجان المتناقضان او المختلفان في الحكم فهذا يعني تعطيلاً له، وهذا ما يجري حالياً بجمع الاطراف المتناقضة في توجهاتها وافكارها في حكومة واحدة فتكون كالحكومة السابقة، وزير فيها يعارض ويتهم زملاءه بالسرقة والفساد". وختم بالقول: "اذا فشل اللبنانيون في تشكيل الحكومة واقامة السلطة، فإنها تكون دعوة ضمنية مفتوحة لكل من لديه رغبة بأن يكون له دور او تأثير في لبنان وضع اليد على اللعبة السياسية، وهذا ما قد تريده سوريا لانه يحقق مصلحتها في العودة اليه بعدما خرجت منه، ويصير التصرف في لبنان وكأنه "بلد سائب او مال سائب"…

الواقع انه تم حتى الآن انتخاب رئيس للجمهورية ليس بموجب دستور الطائف بل بموجب اتفاق الدوحة الذي دعا الى انتخاب رئيس من غير 8 و14 آذار كي يكون توافقياً، فكان انتخاب العماد ميشال سليمان، وجرت انتخابات نيابية فازت فيها قوى 14 آذار بالاكثرية ورغم اعتراف قوى 8 آذار التي عادت اقلية، بنتائج هذه الانتخابات فإنها تصر على ان يتم تشكيل حكومة منها ومن الاكثرية وان يكون لها فيها الثلث المعطل سواء كان ظاهراً او خفيا، وان يكون لها عدد الوزراء الذي تريد والحقائب التي تريد والا فلا حكومة بل فراغ قد يطول لتملأه الفوضى السياسية والامنية والتي تعرّض الاوضاع الاقتصادية والمالية للانهيار.

واذا كان تطبيق النظام التوافقي بات مفروضاً كواقع في لبنان ودفن النظام الديموقراطي، قبل الاتفاق على ذلك، او لان لا ديموقراطية مع وجود المذهبية، فأن حكم الشراكة على هذا النحو قد يشكل خطراً على الوحدة الداخلية وعلى العيش المشترك عندما يكون مطلوباً الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية بالتوافق وبالتراضي وبالتزكية والا فلا انتخاب، وعندما يكون مطلوب ايضاً انتخاب رئيس لمجلس النواب بالطريقة نفسها، وتشكيل حكومة من الاكثرية والاقلية. رغم تناقض مواقفهما من القضايا الاساسية والا فلا حكومة، وان يصير انتخاب النواب بالتراضي والتوافق ايضاً والا فلا مجلس نواب، عندها يصح قول صحيفة الوطن السورية بأن "النظام في لبنان هو في حالة موت سريري" ويصبح المقال في صحيفة الرياض السعودية بقلم رئيس تحريرها تركي عبدالله السويري تحت عنوان: "لماذا لا يعود لبنان الى سوريا" دعوة تجد من يصغي اليها، رغم التوضيحات التي صدرت فيما بعد تفسيراً لذلك، ولا بد من التذكير بأن السيد عاصم قانصوه، وعندما كان اميناً عاماً لمنظمة حزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان قال في حديث له الى مجلة "المستقبل" المتوقفة عن الصدور على اثر الغاء اتفاق 17 ايار ان الاتحاد الفدرالي مع سوريا هو الحل الاخير لازمة لبنان لان الحلول الاخرى هي حلول وسطية غير كافية لتخليص الوضع اللبناني ومشكلته الامنية والسياسية"…

المصدر:
النهار

خبر عاجل