اساس الازمة اللبنانية هو في فكرة الدولة
المحامي جورج ابو صعب
ان كان هناك توصيف لحقيقة الازمة السياسية التي يعاني منها لبنان حاليا فان التوصيف الاصح هو الكلام عن ازمة حقيقية في فكرة الدولة بين اللبنانيين، بين فئة لبنانية تنظر الى الدولة على انها الغاية والوسيلة وفئة تنظر اليها على انها خيار غير حتمي.
لا نقول هذا الكلام من باب التفضيل والمفاضلة بين لبناني واخر بل من باب الحقائق السياسية التي افرزتها ازمة لبنان السياسية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسائر الشهداء من بعده. بحيث ومن مراقبة تطور الازمة منذ لحظاتها الاولى يبدو بجلاء ان التحول الذي حصل في 14 شباط 2005 وتبعته ثورة الارز في 14 اذار 2005، وضع حدا فاصلا بين مرحلتين لا بل بين فكرين: فكر تبعي يرى ان مشروع الدولة فشل وبالتالي لا حماية ولا تحقيق للمصالح الا بالعودة الى الالتحاق بالخارج والاستحماء والاستقواء به، وفكر وطني يرى ان الحل في الدولة اللبنانية القوية والقادرة للانتهاء من مسلسل الانتهاكات والوصاية والتدخلات الاجنبية في الشؤون اللبنانية الداخلية.
فانطلاقا من هذا التوصيف الذي نعتمده ايمانا منا بالاحداث اللاحقة التي جاءت تؤكد فيما بعد صوابيته، نرى اليوم ان قوى 8 اذار المتحلقة فعليا حول حزب الله والتيار الوطني الحر صاحبة مشروع لا يعتبر الدولة فيه الاولوية الاولى، بل لديها اولويات اخرى ليس اقلها الاستجابة لمن تتبع في الخارج والعمل على تحقيق ما يريده هذا الخارج انطلاقا من الداخل اللبناني ولو على حساب مصالح لبنان العليا وصيغة لبنان الفريدة ورسالة لبنان في المنطقة والعالم.
نقولها بصراحة وفي اكثر من حديث بيننا وبين بعض انصار حزب الله : ان الحزب والمؤمنين بنهجه لا يؤمنون بفكرة الدولة وفق المتفق عليه بين اللبنانيين منذ الطائف اقله، ويعتبرونها مشروعا فاشلا لم يمنع اسرائيل من تدميرهم ولم يحم مكتسباتهم الوطنية والطائفية. وبالتالي لا يتقبلون حتى فكرة ان نعمل كلنا معا من أجل لبنان قوي ودولة سيدة وحرة ومستقلة تحمي الجميع.
فهنا يكمن حقيقة الداء وهنا تكمن مشكلتنا مع 8 اذار وتحديدا مع حزب الله الذي نراه لا يتقبل حتى مجرد التفكير بدولة في لبنان وبامكانية قيامها بتضافر جهود ابنائها جميعا.
من هنا فان كل الخط السياسي للحزب يتناقض مع مبدأ الدولة ومبدا السيادة وصولا حتى الى اقامة الدويلة الشيعية الخاصة بهم والمربعات الامنية المحرمة على الدولة واجهزتها وصولا الى مقاومته الخاصة وجيشه الخاص وقراره الخاص بالحرب والسلم.
فالمعروف علميا ان الذي يجعل من مجمتع سياسي دولة بمدلولها الاصطلاحي الحديث تراكم مجموعة عناصر اهمها: التجانس بين افراد الشعب تجانسا قوميا ومن هنا مصطلح " الدولة القومية " وخضوع السلطة فيها للقانون وصفة السيادة التي تطبع كافة مقومات وجود الدولة القوية والقادرة. وقد ثبت تاريخيا وسياسيا ان هذه العناصر كافة هي التي أمنت الانتقال من القوة الخام الى القوة المنظمة، ومن الامتثال للخوف الى الامتثال والالتزام بالنظام، ومن حكومة الافراد الى حكومة القانون ما ادى الى ارتباط فكرة القانون بفكرة الدولة. فحزب الله لا يستطيع اليوم انطلاقا من فلسفته الدينية العقائدية وانطلاقا من مصالحه الحيوية المباشرة، ان يقبل الامتثال لفكرة الدولة في كل ما تعنيه وفي مقومات الفكرة بالذات كما هو موصوف اعلاه، لان اي قبول منه بالفكرة يعني تراجعا حتميا عن فكرة وجوده هو ومقومات هذا الوجود ومبرراته.
فما يتحكم بمقاربة موضوع الحزب اليوم هو هذه الازدواجية المتناقضة (وليست المكملة كما يحلو لبعض المنظرين قوله) بين فكرة الدولة الواحدة والموحدة للجميع التي لا تتناسب وطموحات حزب الله وبين فكرة الاستغناء عن الدولة في سبيل الامن الذاتي والدويلة الذاتية والتي يجسدها الحزب تماما.
حتى ان حزب الله واخرين في الاقلية لا يتقبلون فكرة السيادة اللبنانية على ارض لبنان واقليم الدولة. فكما يقول "راتزل" امام مدرسة الجيو- سياسة، فكرة الدولة لا تنفصل عن فكرة الاقليم، فالتقيد باقليم معين هو عنصر من عناصر الدولة. ففي القانون الدولي كما في الجيو – سياسة ان الاقليم هو الاطار الجغرافي لممارسة الدولة اختصاصها وسلطتها، كما انه (اي الاقليم) عامل من عوامل فاعلية السلطة لان السلطة التي تسعى الى تحقيق الانسجام داخل الجماعة كما يقول جان جاك روسو، وتوجه السلوك للافراد والجماعة نحو بلوغ الاهداف الاجتماعية العامة، لابد لها من ارضية او قاعدة جغرافية او اقليم محدد يربط اعضاء الجماعة فيما بينهم ليكون ذلك عامل تمايزهم عن غيرهم. الامر الذي لا تستطيع قوى كحزب الله مثلا القبول به انطلاقا من ان الجنوب مثلا ليس اقليم دولة لبنان بقدر ماهو اقليم ساحة معركتهم ومبرر وجودهم الاقليمي والمحلي في آن. فاذا سلموا بقوة الدولة وحقها في اقليمها بطلت سياستهم واضمحل المشروع على حساب مصالحهم ولحساب دولة لبنانية ذات سيادة كاملة.
يقول العلامة القانوني جورج سيل Georges Scells ان عملية خلق الدولة تتمثل في العمل القانوني l”acte juridique المصطلح على تسميته " بالدستور" la constitution – فالدستور الذي يعني مجموعة الاحكام المنظمة للسلطة يهيئ لذاتيتها ازاء القائمين عليها وعلى مباشرة مظاهرها. فالدستور وثيقة ميلاد الدولة كركيزة للسلطة، وبالتالي فان مثل هذا الدستور يشكل منافسا قويا لمن لا يؤمن بالدولة ولا يؤمن بالسلطة خارج سلطته هو. سيما متى كانت السلطة الاخرى مغطاة بمجموعة معتقدات دينية وفقهية تجعل من المستحيل على المرء التوفيق بين فكرة مناقضة للاخرى.
فالانتظام بالدستور يعني الاقرار بالدولة وبولادتها وبالتالي الاقرار بسلطة غير سلطة المقاومة، الامر الذي لا يمكن للحزب وحلفائه القبول به. ومن هنا المحاولات الدؤوبة الدائمة والمستمرة لضرب الدستور واسقاطه وتجاوزه للنيل من السلطة الشرعية ومن ركيزة قيام الدولة القوية.
فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات نصل الى الخلاصات التالية:
1- ان النهج المبني على الانفصال عن فكرة الدولة هو اساس تفكير وعمل قوى 8 اذار ولا سيما حزب الله لانه في صلب التوجه السياسي والعقائدي للحزب بالاضافة الى كونه من مستلزمات سياسته ووظيفته الاقليمية.
2- ان سياسة الحزب وحلفائه لا يمكن ان تكون مساهمة في تأكيد وتقوية سيادة الدولة اللبنانية لانهم في الاساس لا يؤمنون بجدية فكرة الدولة وبامكانية قيامها .
3- ان النهج السياسي للحزب ولحلفائه لا يؤدي الى قيام استقلال وحرية سياسية للبنان كدولة، لان الاولويات التي يملكها هذا الفريق لا ترتبط باولويات وحتميات لبنانية بل بحسابات اقليمية وان كانوا هم لبنانيون، الا انهم لا يعملون للبنان بل لما هو ابعد واشمل من لبنان. لذلك لا يستطيعون تفهم ان يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة، ولا بفكرة استراتيجية دفاعية لا تتناسب ومتطلبات وشروط استراتيجيات المواجهة الاقليمية.
4- ليس هناك اجماع لبناني اليوم على اعتبار ان بناء دولة لبنانية قوية وقادرة وحامية وحاضنة للجميع، هي وحدها الضمانة لمستقبل افضل بين العائلات الروحية. والا لما ترجمتها الاقلية مشاريع قوانين ومواقف سياسية الامر الذي لم نشهده الى الان بل على العكس لقد اثبتت الاقلية انها قادرة على التعطيل ولكن ليست قادرة على البناء.
5- ان الدولة القوية هي ضمانة الاقليات الخائفة في لبنان والشرق: فقد اثبتت التجارب ان الاقليات لم تجد افضل من لبنان ارض اللجوء والملجأ لممارسة حريتهم وحياتهم وضمان مستقبلهم. وبالتالي ان كان ثمة خوف لدى الاخرين فعليهم تقوية الدولة القادرة والقوية والتي تملك القوة اللازمة لحماية الجميع. مع الاشارة الى ان النظرية الصهيونية المصدر والتي تقول بتحالف الاقليات، لا يمكن ان تقهر الا من خلال قيام الدولة اللبنانية القوية والقادرة بمؤسساتها وقواها الشرعية على تأمين انصهار الجماعات والعائلات الروحية والدينية والاتنية في المنطقة.
6- بدل المطالبة بتقوية المقاومة نرى من الواجب والافضل تقوية الدولة التي متى ما اصبحت قوية وقادرة تستطيع ان تقاوم عن كل لبنان في حال اي اعتداء او تعد على السيادة والاستقلال، فالمنطق الاكثر ايجابية هو البدء بالدولة اي بالمبدأ لا بالاستثناء.
ان سلطة الانفراد بالامر النهائي في الداخل ورفض الامتثال للخارج تبقى من خصائص المجتمع السياسي اصلا وبصرف النظر عن صوره وامثاله التاريخية. فقد اتسمت بها الامبراطوريات القديمة كواقع سياسي وان لم تصاغ في مفاهيم قانونية كما هي اليوم.
وبمفهوم العلامة القانوني جان بودين jean Bodin تبقى السيادة دعامة الدولة ونظام الدولة، فمن لا يريد الدولة يضرب سيادتها.
فكيف اذا كان من يضربها من ابناء الداخل؟
وهكذا واذا اسقطنا المفاهيم القانونية والسوسيو- سياسية والجيو – سياسية على حقيقة نهج ومواقف الحزب وحلفائه في 8 اذار نتفهم، وان لم نوافق، موقف هؤلاء من قيام الدولة. فالخطير ولكن الحقيقي في الموضوع انه ومن الان والى ان تسوي ايران ملفاتها العالقة والى ان تسوي سوريا ملفاتها سيبقى في لبنان من لا يؤمن بقيام الدولة ولا بسيادة هذه الدولة.
هذه هي بنظرنا حقيقة الازمة … الايمان او عدم الايمان بالدولة …