التيار الوطني الحرّ: أخطاء لا بدّ من تداركها
شربل حاطوم
لا أكتب مقالتي هذه كمناهض لـ"التيار الوطني الحرّ" و لا كصديق له ، بل أكتبها كشاب مراقب تاركا وراءه ما كان يعتقده في الماضي صوابا في العقائد و الطروحات، أكتبها ولا أودّ أن تكون من ضمن التجاذبات السياسية التي تعصف بمجتمعنا بل لتكون منارة تضيىء بتواضع على بعض النقاط في السياسة العونية التي يجب تصحيحها وتداركها في قلب "التيار" حفاظا على استمراريته و ديمومة كيانه.
منذ عام 2005، وبعد عودة العماد عون من منفاه الباريسي حدثت عدّة تطورات كان "التيار الوطني" في قلبها ، فربطته بعضها بتحالفات ووضعته الاخرى في موجة عداء مع أحزاب و تيارات لبنانية. و بدا "التيار الوطني الحرّ" في الساحة السياسية اللبنانية كحزب فعّال يتمتع بحيثية شعبية لا يستهان بها. غير أن الدينامية التي انطلق بها "التيار" ما لبثت ان أخذت تتعثر شيئاً فشيئاً نتيجة عدّة أخطاء ونواقص ارتكبها ولا يزال يتعمّق بها "التيار" وزعيمه العماد عون. هذه النواقص سأحاول ان أبرزها بنقاط عدّة حسب رأيي المتواضع ودون ان أكون معبرا عن ايّ تجمع او حزب او خط سياسي .
1 – التفاهم مع حزب الله:
لا شكّ أن أي بلدٍ كلبنان، متعددةٌ طوائفه وأحزابه، هو بحاجة ماسة الى تحالفاتٍ حزبيةٍ تشكل درعا واقيا للمجتمع المتعدد. من هنا فان مبدأ التفاهم بين حزب الله ( الشيعي ) و التيار الوطني الحرّ ( ذو الوجه المسيحي ) هو أمر ضروريّ، مهمّ للمجتمع اللبناني وبصورة خاصة في الفترة الزمنية التي نشأ فيها. غير أنّ اي تفاهم بين حزبين يملك كل واحد منهما قاعدةً شعبيةً كبيرة على الارض، لا يتم دون ان تكون هاتين القوتين في حال انسجام فكري معين، وهذا ما لم نعرفه في العلاقة بين "الحزب" و"التيار" رغم كل الحركات الظاهرية التي رايناها في السنوات الماضية.
فكبير هو الفرق بين الشعارات التي تأصّل عليها العونيون وبين الشعارات التي تأصّل عليها أنصار المقاومة، و النهج الفكري العوني في ميدان المجتمع والوطن يختلف مع النهج الفكري القائم عند "حزب الله" في الميدان عينه، وأنسجام النهجين لا يكون بتفاهم ظرفيّ ناتج عن التقاء مصالح موقت.
هذا لا يعني أننا ننتقد التفاهم بين الطرفين كحدث، بل ننتقد ظاهريته ظرفيته، التي لم تحدث المرجو منه على صعيد المجتمع والسياسة اللبنانية بل ساهمت في زيادة الانقسام الداخلي في لبنان، و التي ( ايّ ظرفيته و ظاهريته ) قدّ تعرّض هذا التفاهم للانهيار السريع ما سيرتب حالة قد تكون أسوء مما كانت عليه قبل التفاهم .
أين دور التفاهم ( لو كان فعّالا ) في منع الصدامات المتكررة الخطيرة في بعض المناطق المختلطة الحساسة؟
اننا ندعو الى تصويب العلاقة بين الطرفين وعدم الوقوع في أسر ورقة تفاهم فيها البنود الكبيرة والعريضة لتغطية مجال واسع بين نهجين فكريين والاستعاضة عنها بتفاهم منطقي واقعي تؤسس له ظروف ملائمة يجهد عليها الطرفين، تكون فيها البنود الواضحة الملموسة نتائجها على الارض والتي قد تؤسس لمرحلة تكون فيها التحالفات العريضة متاحة.
2 – العائلية السياسية في "التيار":
رافقت العائلية السياسية الحالة اللبنانية منذ زمن عند الكثير من الاحزاب والتيارات اللبنانية لدرجة ان بعضها تحول الى شبه حزب عائلة، و انطلاقا من الثوابت والمبادئ التي نشأ عليها "التيار" في محاربته الفساد والعائلية والزبائنية، فأننا نرى انه بات من الضروري اعادة اجراء تنظيم داخلي للكوادر في "التيار"، تعاد من خلاله الشخصيات الكفوءة الى مركز القرار في وفي السلطات التنفيذية والتشريعية في الدولة واستبعاد بعض الوجوه "القريبة" التي بدأت تفعل فعلها في ابعاد الرأي العام اللبناني عن التيار بمبادئه وكيانه.
وقد شهدنا مؤخراً زوبعةً في مجال تأليف الحكومة عنوانها الوزير جبران باسيل ووزارة الاتصالات ، مع ان اصرار العماد عون على توزير الأول الساقط انتخابياً مناقض كلّ ما كان يقوله هو ويقوله "التيار" في مجال توزير الراسبين في الانتخابات.
وتركيزنا هنا على الوزير باسيل جاء نتيجة ملامستنا للأثار السلبية التي زرعها الوزير في البيئة العونية ( نركز هنا على نهج الوزير لا على شخصه).
واستطراداً هنا، نسلطّ الضوء على قضية بارزة أثيرت اخيراً وهي قضية محطة الباروك، ونشدّد على الجرح الكبير الذي فتحته هذه القضية في صفوف الكثيرين من ناشطي "التيار" ، فالمحطة التي كُشف عنها في 4 نيسان، ظلّت أخبارها مخفيّة حتى شهر آب، فترة التجاذبات السياسية على تشكيل الحكومة و بخاصة على موضوع الوزير باسيل ووزارة الاتصالات.
هنا تراودنا عدّة اسئلة:
– هل محطة الباروك هي وحيدة في لبنان لجهة الانترنت غير الشرعي؟
– هل تحتمل قضية وجود شرائح تحمل اسم شركة اسرائيلية في داخل بعض الالات المصنعة في كوريا ( وذلك دون علم عمّال الشركة واصحابها) كل هذه الضجة الاعلامية المريبة؟
– لماذا لا يجرؤ الوزير باسيل على فضح الكثير الخطير مما يجري في قطاع الاتصالات في لبنان؟
– ما رأي التيار، حامل شعار الأصلاح بقضية " الأشرف " و الضجة التي اثيرت حولها؟ هل يقفل هكذا ملف بجواب الوزير في حديث اذاعي بأنه لا يعرف شيئاً عن الموضوع؟
هذه الأسئلة برسم قادة "التيار"، برسم العماد عون، لقد انتهت أزمنة الشعارات وبتنا في مرحلة تتطلّب من "التيار" و أركانه الوقوف وقفة جريئة اصلاحية تحفظ "التيار" من انهيار كبير محتّم.
3 – الفساد والسلاح:
لربما كان من أهمّ ما نشأ عليه نشطاء وأنصار "التيار"، منذ تأسيسه، موضوع محاربة المفسدين ومحاسبتهم، و موضوع نزع ثقافة السلاح والتسلّح من قلب المجتمع اللبناني. لكن واقع الحال بعد العام 2005 أبرز لنا صورة مغايرة عن "التيار" كنّا نودّ لو بقي بعيداً عنها. فالتحالف مع الفاسدين المفسدين تم لقاء الحصول على مقعدين أو ثلاثة في البرلمان وثقافة التسلح انخرط بها "التيار" لدرجة ظهر بها هذا "التيار" العريق بصورة العصابات التي توزع السلاح على أعضائها تحت عنوان الوقاية.
هل هذا هو التيار الذي عرفناه ايها العماد؟
تيار المقاومة السلمية؟ تيار الأصلاح والنمو والنهضة؟
ان "التيار" مسؤول اليوم عن اعادة فرض نهجه الطبيعي وترسيخه في كيانه الداخلي وقلع كل المعاقل القليلة لكن الفعّالة في "التيار" التي تجرّه باتجاه مغاير لمبادئه الطبيعية المعروفة.
4 – الاعلام العوني:
لعب اعلام "التيار" دوراً بارزاً في اضعاف وابعاد القاعدة الشعبية العونية والقريبة منها. وهذه المسؤولية يتحملها "التيار" من زعيمه العماد عون مروراً بنواب أركانه وصولاً الى الاعلام التلفيزيوني البرتقالي.
لقد وُجد العماد عون محاميا فاشلاً عن قضية ناجحة ووجد أخصامه محاميين ناجحين عن قضية فاشلة، هذه المعادلة فعلت فعلها في إفشال "التيار" على عدّة مستويات كان ابرزها التراجع الشعبي في انتخابات 7 حزيران وهذا ما يجب الاعتراف به والغوص في دراسة أسبابه لتداركه سريعاً وتدارك ما قد يكون اسوء في المستقبل. فالإدارة الإعلامية للمعركة الانتخابية كانت بمنتهى السوء إذ نزل "التيار" الى مستويات غير لائقة بتاريخه وبتضحياته: هل كان لازماً، ( على سبيل المثال )، على المرشح عصام ابو جمرا وصف منافسيه بالاولاد ؟ ما كان رأيه بفوز "الأولاد" عليه في الانتخابات؟
لا يعتقدنّ أحد أننا ننطلق من أمور قد يجدها البعض تافهةً غير مهمة، فمن كان على الأرض يعرف أن كل كلمة في الاعلام العوني قبل الانتخابات كانت من الأسباب التي دفعت "التيار الوطني الحر" الى الهزيمة.
وبالعودة الى العماد عون، هذا الرجل الذي يعتبره العونيون القائد والمثال والمناضل الكبير، فقد كان العماد منخرطاً في جوقة الاعلام العوني الرديء ، وهو المهاجم دوماً في تصريحاته والمنتقد اللازع ( كي لا نقول اكثر) لشخصيات على الساحة اللبنانية والدولية غير آبهٍ بمكانة بعض الأشخاص، وهذا ما كان يؤثر شيئاً فشيئاً ولا يزال على شعبية "التيار". فالانتقاد السياسي مشروع في السياسة أما النتقاد الشخصي الجارح هو ليس من شيم أهل السياسة، من هنا فإن حزباً عريقاً كـ"التيار" مسؤول عن توجيه اعلامه الى المنحى الصحيح الطبيعي و اللائق، من رأس الهرم حتى الفاعدة .
5 – العلمنة و"التيار":
في عصرنا اليوم بشكل عام ، وفي مجتمع كالمجتمع اللبناني المتعدد الطوائف بشكل خاص، تُعتبر العلمنة من الركائز الأساسية لبناء المجتمع السليم ومن خلاله الدولة القوية والعادلة. وقد تبنى "التيار" منذ تأسيسه كحزب ، شعار العلمنة وابعاد الطائفية عن السياسة ، و لكن للأسف وجدنا "التيار" في صلب الطائفية، وفي النقطتين التاليتين سنبرز ذلك:
– لا يكاد يخلو أيّ تصريح للعماد عون من تعابير و أفكار تثبّت الخطاب الطائفي في "التيار" وفي لبنا ، فهو كان ولا يزال ينصّب نفسه زعيماً للموارنة والمسيحيين، وهو في تصريحاته لا يتوانى عن ذكر الرموز الطائفية في البلد مديحاً أو ذماً، وفي الانتخابات النيابية الرئاسية الاخيرة جعل العماد عون معركته معركة "استرجاع الحقوق المسيحية" دون غيرهم.
فأين العلمنة من هذا الحديث؟ وأين هي مبادئ "التيار" الاساسية؟
– من المعلوم أن الاجتماعات العامة لـ"التيار" لا تزال تُعقد بمعظمها في أديرةٍ كنائسية لهدف قد يكون شدّ العصب المسيحي حول سياسة "التيار".
لهذه الاسباب التي ذكرناها، لا يمكننا اعتبار "التيار" سوى حزب طائفي كباقي أحزاب المجتمع اللبناني.
في نهاية بحثنا هذا، نشدّد على ضرورة بروز حركة تصحيحية في "التيار"، ليست موجهة ضدّ العماد عون، بل هي حركة يجب على العماد نفسه الولوج بها حفاظاً على ما تبقى لـ"التيار" من حيثية شعبية بدأت تضعف ومن كيان مهدّد بالزوال في المستقبل.
انه بحثٌ موجهٌ الى "التيار" بأعضائه وأركانه وعماده وليس موجهاً ضدهم، أبرزنا فيه ما نراه على الأرض و في البيئة العونية من أخطاء ارتكبت لا تزال وهي لا بدّ أن تأخذ طريقها الى المعالجة.