أين مطالب الحد الأدنى ؟
في المعلومات ان ثمة قرارا اقليميا بعدم قيام حكومة في لبنان. وفي المعلومات ايضا ان قرار منع تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، عطف عليه قرار ترك الساحة اللبنانية منخفضة التوتر، فلا انفلات للشارع في اي اتجاه كان. وفي الاثناء، يكمل الاطراف اللبنانيون مشوار تعبئة الفراغ بـ"هواء" الجدال السياسي المحلي الممل، وبمناورات الحقائب والاسماء والاحجام، فيما يدرك الكل انه متى صدر قرار فلا جنرال ولا من يحزنون. الكل في مقلب ما يسمى معارضة سيصطف خلف القيادة الفعلية التي يشكل سلاحها واستعدادها الدائم للجوء الى الشارع العائق الاساس الذي يحول دون تحرر النظام وفق آليات الدستور والقانون. من هنا، ما كان مفاجئا ان تفشل الجولة السابقة من المشاورات بين الرئيس المكلف تشكيل الحكومة ورئيس "التيار الوطني الحر"، وما كان مفاجئا ان ينتهي امر المناورات المتعددة الوجه والاتجاه، بتسخين في الخطاب ايذانا بالعودة الى نقطة الانطلاق. لكن المفاجأة ان يبقى في لبنان مواطن واحد يصدق المشهد الذي يراه على الشاشات، او التصريحات التي تنسكب فوق رأسه صبح مساء بشأن "حرارة" الاتصالات والمواقف.
يبقى لبنان من دون حكومة، وهنا ليس مجال تعداد الاسباب. وانما هنا مجال لسؤال عما يريده المواطن العادي الذي ما عادت تهمه المناورات السياسية، ولا الخلافات على الخيارات الكبرى على اهميتها، وانما ما يهمه ألا يبقى لبنان اسير حسابات خارجية، واسير انخراط القيادات السياسية المحلية في اجندات الخارج. فالقضايا المصيرية مهمة، ولكن القضايا اليومية والحياتية مهمة ايضا. فالمأكل والملبس والمشرب، والمدرسة، والمستشفى استحقاقات كبرى للانسان الذي يعرف ان التصريحات السياسية لن تطعمه ولن تكسيه. هذه استحقاقات كبرى ويومية. فالطفل الجائع لا يرحم، وقسط المدرسة لا ينتظر كثيرا. والبرد الآتي يحتاج الى ملبس ووقود للتدفئة. فأين المعرقلون الى اي جهة انتموا من هذه الحاجات الملحة؟
مر الصيف بهدوء، وشهدنا فترة ازدهار معقولة. لكن ماذا عن الآن؟ وهل يكفي ان نحمد الله صبح مساء على قرار التهدئة النسبية في الشارع؟ وهل من ضمان ان القرار لن ينقلب الى قرار بالتصعيد فينزل رعاع الى الشوارع ليعيدوا تكبيل البلاد بسلاسل الدم والتخريب؟
بالامس نادى البعض بالتفاؤل وافرط. وبالامس نادى البعض الآخر بالحقوق وكذب. وفي النهاية ظل اللبناني رهينة الخارج بأيدٍ لبنانية.
و الآن، هناك من يقول برحلة جديدة من دون حكومة قد تطول اشهرا. والسؤال الدائم: اين اللبناني الذي لا يحاسب بل يبقى يمارس هواية الاستقالة من النضال في سبيل الحد الادنى، فيما يسكنه وهم انه ببضع ارزات يعجق الكون؟