نافذة على تخصيص الأمن في لبنان بين الأمن و"الاتصالات"
لو لم يتقدم وزير الاتصالات جبران باسيل بشكوى الى النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا ضد المدير العام لهيئة "اوجيرو" عبد المنعم يوسف بسبب عدم تجديده عقد احدى الشركات الامنية المولجة حماية وزارة الاتصالات، لما كان احد يعلم ان وزارات في لبنان تتعاقد مع شركات امن خاصة لحمايتها. ومن غير المعروف ما اذا كانت وزارة الاتصالات وحدها تتعامل مع مثل هذه الشركات ام ان هناك وزارات ومؤسسات رسمية تحذو حذوها.
كان الخبر لافتا بالفعل، لأنه اقل ما يمكن ان يقال في استعانة وزارة او مؤسسة حكومية بشركة خاصة لحمايتها، هو ان من تعاقدوا مع "الامن الخاص" لا يثقون بـ"الامن العام" بمعنى المؤسسات الامنية الرسمية من جيش وقوى امن وغيرها، مع العلم ان "جيشاً" من العسكر ومن مختلف الرتب الكبيرة والصغيرة مفروز لحماية "كبار القوم" واحيانا اصولهم وفروعهم ولاسيما السابقين منهم واحيانا اللاحقين، وبأعداد اكبر بكثير مما ينص عليه القانون الذي فصّله كثيرون على قياسهم. وثمة موظفون من الفئة الاولى وادنى يتمتعون بامتياز الحصول على سائق ومرافق عسكري مدى الحياة. لا بأس، فالموضوع ليس هنا بل في سؤال آخر يفرض نفسه بقوة وهو: هل ان بعضهم يثق بالقوى الامنية في مكان ولا يثق بها في مكان آخر؟
وبمعزل عمن كان صاحب فكرة تعاقد وزارة الاتصالات مع شركة خاصة للامن او عن طريقة اختيارها دون غيرها ووفق اي معايير، فان نجاح هذه الفكرة قد يستولد افكارا اخرى تتعلق بامكان تلزيم الامن، ليس في هذه الوزارة او تلك فحسب، وإن كانت تقع في "وسط البلد" وضمن منطقة امنية رسمية وتحت "مرمى" و"انظار" كاميرات المراقبة في شارع المصارف او اذا كانت ملاصقة لمجلس النواب… وفكرة "تلزيم الأمن للقادرين على حفظه" كانت عنوان مقال في "النهار" مطلع السبعينات ايام كان الراحل الشيخ بهيج تقي الدين وزيرا للداخلية، وكان من الواجب ذكر كاتب المقال، لو كان في البال.
وقد تبدو هذه الفكرة جيدة، لو اعتمدها بعض المحظوظين بالحمايات الامنية الرسمية مدى الحياة، – مع اختيارهم للعناصر والضباط تماما كالحقائب الوزارية – فهم بذلك، من جهة، يوفرون الكثير على الجيش وقوى الامن وامن الدولة والامن العام، بحيث يصبح في امكان عناصر الحماية "العامة" العودة الى عملهم الاصلي في حماية امن البلاد والعباد، ومن جهة اخرى يحركون الاقتصاد بايجاد فرص عمل للأفراد وتشغيل الشركات الامنية الشرعية والجدية.
وعلى رغم ان هذه الشكوى سحبت بعدما زف الوزير المدعي الى اللبنانيين بشرى تجديد العقد وتوقيعه من جانب المدعى عليه، فانها مرة جديدة، دفعت وزارة الاتصالات الى "الواجهة" وهي التي كانت ولا تزال "الواجهة" الداخلية للأزمة الحكومية والعقدة الابرز في تقاسم الحصص الوزارية بين زعماء الكتل النيابية. ولعلها لم تعد كذلك، بعد مرونة ابداها من يتمسك بها اي رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، اذ قال في حديث الى محطة "برس. تي. في" الايرانية رداً على سؤال حول شرطه لـ"التنازل" عن حقيبة الاتصالات: "يجب ان اعرف الاسباب لكي اتنازل عنها، فاذا كانت وجيهة وتستحق ذلك أتنازل عنها وعن غيرها" وهذه اللهجة تعني في المنطق السياسي تمهيداً للحل واستعداداً للمقايضة، وهذا ما يحصل فعلاً، وبالتأكيد لم يكن خارج جدول اعمال اجتماع الرئيس المكلف سعد الحريري والنائب عون أمس.
وثمة "تمهيد" من نوع آخر، يعتمده بعض اهل السياسة القريبين من اهل الحل والربط في الداخل والخارج، ولاسيما عندما يجزمون بإنجاز الحكومة قريباً، او عندما يقول أحدهم ان الاوان حان او "البلد لم يعد يتحمل". وبالطبع كان الأفضل لو قيل الأمر نفسه منذ اشهر…
وبدا واضحاً ان الرئيس المكلف صدق اذ قال بعد "التكليف الثاني" ان باله "سيكون طويلاً جداً هذه المرة وأكثر بكثير مما يتوقع بعضهم"، فقد قرن قوله بالفعل، وآخر "أفعاله" كان "استيعاب" الهجوم الاخير لعون على المساعي والاتصالات في شأن الحكومة، ولولا عملية الاستيعاب تلك لما كان الاجتماع الذي ضمهما غروب امس. وبالتأكيد تبقى النتائج هي الأهم أي ولادة الحكومة بعد طول مخاض. وبالفعل، "ليس فقط حان الاوان، بل كفى تلاعباً بأعصاب الناس ومصالحهم".
ولم يكن صاحب هذه العبارة، وهو احد المراجع السياسية، مخطئاً إذ تمنى بعد "عاصفة" عون الأخيرة لو انه قال ما اراد قوله للرئيس المكلف في اجتماع مغلق وليس عبر المنابر الاعلامية. اليس هذا ما حصل في اجتماعهما أمس؟