#adsense

“التشاؤل” سيّد الموقف في لبنان كما في فلسطين

حجم الخط

"التشاؤل" سيّد الموقف في لبنان كما في فلسطين

إلى حدّ كبير، يجوز إعتبار الكلمة التي ألقاها الرئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس أمام اجتماع المجلس المركزيّ لمنظمة التحرير الفلسطينيّة في رام الله بمثابة مادة تثقيفية لجمهور الإعتدال العربيّ، إذ ثمّة بالفعل جمهور معتدل عربيّاً ولا يقتصر الإعتدال على أنظمة رسميّة، كما لا يُحتكَر الشارع كلّه من جانب التيّارات الشعبويّة والفئات اللامبالية.

والسبب الذي يجوز على أساسه تصنيف خطاب أبو مازن مادة تثقيفية هو أنّنا استمعنا من خلاله إلى سرد مبسّط يبيّن الفارق بين نظرة سياسيّة تسعى لـ"تحسين شروط التسوية" في إطار "تحسين شروط الهزيمة" بل في إطار أعمّ إسمه "تحسين شروط التبعيّة"، في مقابل نظرة غير سياسيّة تكابر على الداخل والخارج وتدفع إلى إنقسام الشعب الواحد حينما تدعو إلى وحده الأمّة الجمعاء وتتقاطع موضوعيّاُ مع أسوأ ما "يعرضه" العدو، إلا وهو فكرة "الدولة المؤقتة".

لقد بيّن أبو مازن بوضوح الفارق بين منطق سياسيّ ـ تسووي مٌرهِق دبلوماسيّاً للعدوّ لأنّه يصرّ على الدولة التي تقوم على جزء من أرض فلسطين تاريخية لترث كامل مشروعيّة فلسطين التاريخيّة وتحلّ على أساس قيامها مسألة اللاجئين، وبين منطق لا سياسيّ يكابر على التسويّة لكنّه يتقاطع، وبشكل علنيّ، مع عرض العدو بشأن إقامة "دولة مؤقّتة" ولا يشترط على هذا العدو إلا أن تكون الهدنة معه مؤقّتة أيضاً، إذ ينحصر همّه في التأصيل الغيبيّ لما يعرضه العدو عليه وليس بحث كلّ عرض إنطلاقاً من ميزان ما تخسره أو ما تكسبه القضية الوطنيّة الفلسطينيّة.

وخطابه تثقيفيّ بإمتياز لجمهور الإعتدال العربيّ لأنّه يربط بين مستويين تفاوضيين: مستوى التفاوض بين أحرار ومعتدلي العرب من ناحية وبين المهيمنين على السياسة الدوليّة اليوم والمستعمرين لأرض عربيّة عزيزة، ومستوى التفاوض بين المعتدلين من ناحية والممانعين والمكابرين من ناحية أخرى. يبيّن هذا الخطاب بعداً رئيسيّاً للصراع القائم يكاد يكون في كل مكان من المشرق العربيّ بين المعتدلين والممانعين: إنّه صراع على كيفيّة التفاوض مع الخصم الحضاريّ وكيفيّة التفاوض مع العدو القوميّ، كما أنّه صراع على كيفيّة التفاوض داخل المجتمع الواحد بين أبنائه، وضرورة التحاكم إلى شرعيّة دستوريّة، وإلى مسار ديموقراطيّ، ونبذ الذهنيّات الإنقلابيّة والإنفصاليّة والإنعزاليّة والمغامرة التي أدّت إلى ما أدّت إليه في قطاع غزّة.

كذلك يظهر أبو مازن من خلال كلمته أن المصالحات التي يحتاجها جسم الأمّة بين معتدليها وممانعيها ليست سهلة، وهي بقدر ما تترابط بين بعضها البعض فإنّها تعكس مشهديّة غاية في التعقيد والتشعّب، ما يوفّر المدخل الإمبراطوريّ للنفوذ الإقليميّ لإيران ويحكم مسبقاً بلجم أفق التقارب بين عرب الممانعة وعرب الإعتدال.

وفي ظلّ واقع لبنانيّ يسجن نفسه في حلقة تفاؤل تشاؤم ويبقى مع التشكيل الحكوميّ على موعد يتأجّل فإنّه ربّما كانت الحاجة لقراءة خطاب محمود عبّاس لفهم الواقع "المتشائل" للمنطقة ككل.

وهذا لا يلغي الخصوصيّة اللبنانية في هذا الواقع: لأنّه في لبنان ثمّة مشكلة عدم قيام حكومة بعد تنظيم انتخابات يقرّ الجميع بنزاهتها ويلتزمون منذ صدور النتائج بها، ما يعني أن الغرض من دوامة التعطيل يتّصل بأكثر من تعطيل نتائج الإنتخابات إذا ما استمرّت الحال على هذا النحو شهراً بعد شهر، وأنّ الهدف من هذه الدوّامة هو الوصول إلى اللحظة التي يطرح فيها وبشكل منهجيّ وعلنيّ ومفتوح مستقبل النظام الدستوريّ اللبنانيّ وأسسه الميثاقيّة وشروطه الكيانيّة على جدول البحث.. و"إعادة النظر". ومن لبنان إلى فلسطين إلى العراق، فإنّ قوى الإعتدال تواجه مسألة "الطعن في شرعيّاتها" أكثر من اي وقت مضى، رغم أنّها مرحلة البحث عن مخارج ومصالحات بين العرب المعتدلة والعرب الممانعة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل