اقتراب الولادة الحكومية يفتح ملف القدرة على التحديات
سوريا تبرز جدّية والداخل استنفد "الانتصارات"
أكثر من أي وقت مضى، تبدو ولادة الحكومة وشيكة وسط توقعات لا تتعدى الايام المعدودة، تزامنا مع تطورين بارزين، أحدهما واهمهما سعي سوريا الى ترجمة مساعيهما المعلنة عمليا، وليس نظريا على ما بدا الامر اثر القمة السورية السعودية في دمشق، لجهة تسهيل تأليف الحكومة، عبر ما ابداه الرئيس السوري بشار الاسد في الاتصال الهاتفي بنظيره اللبناني ميشال سليمان قبل ايام قليلة، او عبر تحرك سياسيين قريبين من سوريا على خط تذليل بعض العقبات، في رسالة رمزية سياسية متعددة الاتجاه لبنانيا وخارجيا. وخلاصة هذا التطور ان مسعاها راهنا، وان على نحو غير مباشر او بالواسطة، لا بد من ان يؤتي ثماره، كما كان تدخلها سابقاً ابان وصايتها على لبنان. وهي لا يمكن ان تقبل او تظهر في موقع من لا يمكن ان ينجح في هذا التحدي متى وضعت ثقلها، مع ما يفترضه ذلك من مكاسب لا بد منها في هذا السياق على أكثر من مستوى وفي اتجاهات متعددة، خصوصا عشية توجه الرئيس السوري الاسبوع المقبل الى باريس التي سعت من جهتها الى دفع الامور قدماً من خلال تشجيع الافرقاء اللبنانيين على انجاز تأليف الحكومة. وهذا أمر يختصر أي معطى اقليمي، وفق معنيّين بالتأليف، ولو ان ثمة من يستمر في الاعتقاد ان لإيران يدا في ذلك ايضا. لكن يعتقد ان سوريا لن ترغب في ان تظهر ايضا في الموقع الاقل نفوذاً امام نفوذ ايران في الداخل اللبناني. وهذا الجزء من امتدادات الازمة يتلاقى في رأي المعنيين مع الرغبة التي عبر عنها قبل ايام الرئيس الاميركي باراك اوباما بالمعنى نفسه من حيث رغبته في رؤية حكومة لبنانية قريبا، اي ان الضغط الاقليمي لاقى الضغط الدولي اذا صح التعبير في هذا الاطار من اجل تأمين كل العناصر لولادة الحكومة وازالة كل المعوقات الخارجية. وتاليا، فان الجزء المتعلق بالشق الاقليمي وحتى الدولي، اذا كان الاخير موجودا فعلا، قد اخذ مداه وحقق مبتغاه الى حد بعيد، بحيث يعتقد ان الامور قد نضجت وباتت قريبة من القطاف بعدما اصبحت محصورة في المطالب التفصيلية الداخلية.
اما الامر الآخر فيتمثل في استنفاد الافرقاء الداخليين الوقت والجهد وكل الاساليب من أجل تحقيق انتصارات صغيرة لم يعد اكيداً ان تبقى في صورة انتصارات في نظر اللبنانيين، بعدما استنفد هؤلاء صبر اللبنانيين واستهلكوا صورتهم وصدقيتهم السياسية سعيا الى مطالب خاصة وشخصية بعيدا من اي هدف يصب في مصلحة اللبنانيين عموما في اي شكل.
وترقب الحلحلة القريبة سمح لبعض المتابعين بالقفز في اتجاه البحث في مدى قدرة الحكومة العتيدة على مواجهة التحديات التي يمكن ان تواجهها بعد أزمة التأليف التي ترخي بظلالها بقوة الى حد الاعتقاد أن هذه الحكومة "لن تشيل الزير من البير" وفق المثل الشعبي السائد، ولن تختلف الى حدّ كبير عن حكومة تصريف الاعمال الحالية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، اي بمعنى عدم تعليق آمال كبيرة عليها. والضمان الاساسي لإمكان استمرارها بالحد الممكن من التماسك عدم مواجهتها مسائل معقدة قد تتسبب بانهيارها، مع رهان على أمر اساسي بات يشكل ثقلاً مضاعفاً على عاتق رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري في المرحلة المقبلة في ضوء المفاوضات الصعبة التي خاضها ولا يزال من أجل الامساك بحقائب اساسية يمكن ان تساعده في إحداث بعض التغيير، كما في تشكيل علامة فارقة بالنسبة الى رئاسته للحكومة جنبا الى جنب مع رئاسة الرئيس ميشال سليمان الذي يرتبط نجاح عهده بنجاح هذه الحكومة في الاقلاع، باعتبار انها ستعمل طوال السنوات الاساسية من عهده. وما لم تتحرك مفاوضات السلام في المنطقة، فان اي مشكلة جوهرية كبرى لن تشكل تحديا للحكومة المقبلة، على قاعدة التوافق على ترك سلاح "حزب الله" للحوار، فيما هو في رأي المراقبين الديبلوماسيين المتابعين رهن بالاتفاقات الخارجية اكثر منه موضوع داخلي لبناني. في حين ان الرئيس سليمان، على ما تفيد المعلومات المتوافرة لدى هؤلاء المراقبين قد حقق اختراقاً مهما في الخارج في موضوع اللاجئين الفلسطينيين ومحورية الموضوع وحساسيته بالنسبة الى لبنان، ولو ان الموضوع يحتاج الى متابعة مستمرة.
اما المواضيع التي يمكن ان يرتبط بها نجاح الحريري في رئاسته للحكومة فتتصل بموضوعي الاتصالات والطاقة بغض النظر عن ارتباط ذلك بمؤتمري باريس – 2 أو 3، اذ ان مسألة الكهرباء تشكل التحدي الابرز امام الحكومة في لبنان ويمكن ان تقود المعنيّين بها الى فشل او نجاح، خصوصا ان بعض الديبلوماسيين اولوا تعهدات الحريري وتصميمه على الحصول على هذه الوزارات اساسا اهمية كبرى لثقتهم برغبته في تحقيق انجازات ملموسة. وما لم تكن هذه الوزارات من حصته فسيكون صعبا عليه انجاز أي أمر مهم وفق ما يسود الاعتقاد في ضوء كل التعقيدات الداخلية التي ستجعل هذه الرئاسة صعبة قدر الامكان.