8 آذار الإقليمي والمحلي يصعّد استهداف الحركة الاستقلالية ويركّز على فصل الحريري عن حلفائه المسيحيين
المسألة الحكومية صعيدٌ.. وتشغيل "الموتورات" صعيدٌ آخر
إن متابعةً عن كثب لمسار الأحداث اللبنانية تقود الى إستنتاج "لا ريب فيه" بأن لدى فريق 8 آذار الإقليمي والمحلي "مشروعاً" مستمراً للقضاء على الحركة الاستقلالية، لمنع أن تعود الى الاستنهاض. وهذا "المشروع" قائم منذ مدة غير قصيرة، لكنه تكثّف وتكشّفت عناوينه وبنوده أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة، وتحديداً بعد الانتخابات النيابية في 7 حزيران الماضي وبمناسبة تشكيل الحكومة.
الدور المقرِّر للجناح المسيحي في التشكيل
عنوانٌ أول بارز في إطار هذا "المشروع"، هو محاولة تكريس الجناح المسيحي ممثلاً وحيداً للمسيحيين. فبمعزل عن نتائج الانتخابات التي لم تعطِ هذا الجناح تلك "الموقعيّة" إذ منحته ـ في أفضل الأحوال ـ تأييد خمسين في المئة من المسيحيين فقط، يقدّم 8 آذار الإقليمي والمحلي دعماً "بلا حدود" للمطالب الحكومية لجناحه المسيحي بحيث "يستطيع" القول إنه القادر على انتزاع أفضل حصّة للمسيحيين في الحكومة. ويحاول 8 آذار الإقليمي والمحلي توازياً الضغط من أجل منع الخمسين في المئة الأخرى من المسيحيين، من الحصول على أي مكسب حكومي لا سيما على صعيد الحقائب. وأكثر من ذلك، أدارَ 8 آذار الإقليمي والمحلي التفاوض بشأن تشكيل الحكومة على نحو "يظهر" معه أن التأليف يحصل عندما يوافق جناحه المسيحي على حصوله. أي أن هذا الجناح ليس مجرّد فريق سياسي تتمّ استشارته لكنه طرفٌ مقرّر بـ"حجم" السماح لمسار دستوري أن يتحقّق أو منعه من التحقّق.
.. محاولة إلباس "القوات" لباساً ميليشياوياً
وعنوانٌ ثانٍ بارز تزامناً يتجلّى في الحملة المنهجية المنظمة على "القوات اللبنانية" ورئيسها سمير جعجع. وتركز حملة 8 آذار الإقليمي والمحلي على زعم قيام "القوات" بالتسلّح، فضلاً عن استعادة إنتقائية ومشوّهة لـ"صفحات" من الحرب في لبنان. ولا شك أن هذا العنوان من "المشروع" يندرج في إطار محاولة إلباس "القوات" وجعجع لباساً ميليشياوياً، الأمر الذي يدحضه الخطاب السياسي لهذا التيار وأداؤه. وليس خافياً في هذا السياق أن الهدف هو تزوير مضمون "الصراع" داخل البيئة المسيحية بما هو صراعٌ بين خيارات سياسية وطنية وثقافية، لـ"تصويره" صراعاً بين فريق مدني ـ سياسي من جهة وفريق ميليشياوي من جهة أخرى!
"فك" الحريري عن حلفائه
العنوانان السابقان "ينحصران" في الإطار المسيحي. بيد أن لـ"مشروع" القضاء على الحركة الاستقلالية عناوين أخرى "مكمّلة".
عنوانٌ ثالث هو سعي 8 آذار الإقليمي والمحلي الى إستنزاف الرئيس سعد الحريري وإلى ابتزازه.. بل وإلى إلغاء "وهج" وصوله الى موقع رئاسة الحكومة، وذلك في استغلال واضح ومكشوف لإنفتاح الرئيس المكلّف ويده الممدودة وتصرّفه ـ على خطى والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ـ على أنه "أم الصبي".
ويرتبطُ بالعنوان الثالث مباشرةً عنوانٌ رابع هو محاولة اللعب على العلاقة بين الرئيس الحريري وحلفائه المسيحيين، أي محاولة "فك" الحريري عن حلفائه المسيحيين، و"الإيحاء" بأن الحريري سيتخلى عن هؤلاء الحلفاء إن لم يكن في تشكيل الحكومة فبعده "حتماً"، وبأن خارطةً جديدة قيد التشكّل.
فصل الحركة الإستقلالية عن "والدها الروحي"
وعنوانٌ خامس ـ لبناني داخلي أيضاً ـ يكمّل العناوين الأربعة الآنفة. وهو محاولة فك مجمل مكوّنات الحركة الاستقلالية عن "والدها الروحي" البطريرك نصرالله بطرس صفير "إستكمالاً" لما تعرّض له سيد بكركي في مراحل متعاقبة من "هجمات" إستهدفت دورَيه المسيحي والوطني على السواء.
.. وضرب المدى العربي
أما العنوان السادس فـ"عربي إقليمي".
لا يُخفي 8 آذار الإقليمي والمحلي سعيه الدؤوب الى إستغلال ما سمّي "التقارب" السعودي ـ السوري، أي التطوّر على صعيد العلاقات بين الرياض ودمشق. وذلك ليس فقط عن طريق تقديم قراءة "خاصة" و"مقلوبة" و"مغرضة" للتقارب وسياقاته ومعطياته، بل عن طريق إستهداف "النظام العربي" بأركانه الآخرين ـ ومصر خصوصاً ـ واستراتيجيّته..
إن ذلك لا يمكن أن يعني إلاّ محاولة "ضرب" المدى العربي للحركة الاستقلالية اللبنانية و"الانتقام" منهما. ذلك أن الحركة الاستقلالية اللبنانية كانت بمعنى من المعاني إنجازاً محسوباً في خانة "الاعتدال العربي"، مثلما شكّل "النظام العربي" العمق الإقليمي للحركة الاستقلالية.
في ضوء كل ما تقدّم، يمكن القول إن "مشروع" 8 آذار الإقليمي والمحلي يقوم على: حصار مسيحيي الاستقلال وعزلهم + إنهاء التحالف الإسلامي ـ المسيحي في إطار الحركة الاستقلالية + "التخلّص" من دور بكركي وموقعها + فصل الحركة عن عمقها العربي بوضعهما معاً في موضع الإتهام.
دينامية التظهير المستمرّ لتوازن القوى
حيال ذلك كله، وبعيداً من تشكيل الحكومة الذي يبقى "صعيداً" في حدّ ذاته، لا مفرّ من تأكيد أن "مشروع" 8 آذار الإقليمي والمحلي فشل في مفاصله السالفة الذكر لسبب رئيسي هو وعي المستهدفين منه جميعاً، وتمسّكهم بالشراكة الإسلامية ـ الإسلامية ركيزة الاستقلال والحركة الاستقلالية.
بيدّ أن ما لا بد من التشديد عليه، يتعلق بما هو "أكثر من الوعي".. يتعلق بـ"الدينامية". فإلى "الوعي" تتطلب الدينامية شدّ "العصب" الاستقلالي الـ14 آذاري إستنهاضاً للناس، وتتطلّب تشغيل "الموتورات". فذلك كله يدخل في خانة العمل السياسي ـ الوطني "الطبيعي" وليس شأناً من شؤون المسألة الحكومية، لأنه قبل المسألة الحكومية وأثناءها وبعدها أمرٌ يتّصل بالتظهير المشروع لتوازن القوى في الإطار الديموقراطي.