"المسؤولون ليش مخطوف حسُّن"؟
فيما أكتب هذه السطور، يستمر جوزف صادر ضحية مزدوجة لمنطق الدويلة وميليشياتها من جهة، ولتقصير المسؤولين على كافة الصعد والمستويات من جهة ثانية.
عائلته تنتظر، خاطفوه يمعنون في انتهاك حقوق الإنسان، أما الدولة ومسؤولوها فحدّث ولا حرج. صمّوا آذانهم عمّا قاله المطران حداد، لا بل سعوا إلى التقليل من أهميته، من دون أن يبذلوا في المقابل أي مجهود لإطلاق جوزف من سجنه المعلوم، وتحريره من قبضة سجّانيه المعروفين.
مأساة جوزف صادر تتلخص بأنه مخطوف داخل دولة مخطوفة، مسؤولوها أسرى، وأجهزتها الأمنية مكبّلة، وإعلامها لاهٍ عن قضايا الناس الأساسية لمصلحة التباينات السياسية والطائفية والمذهبية والمصالح الشخصية الضيقة.
يبقى أن بعض الشاشات أثارت ببراعة قضية جوزف صادر عبر إعلان قصير يشير إلى أن "جوزف صادر مخطوف"، ثم يسأل: "المسؤولون ليش مخطوف حسُّن"؟ ومع هذه الشاشات ومع أهل جوزف وعائلته نسأل نحن أيضاً المسؤولين: لماذا هذا الصمت المريب؟ لماذا هذا التخاذل؟ من يحمي اللبنانيين؟ من يحمي الإنسان في لبنان؟…
منذ فترة وجيزة اجتاح السفهاء، على دراجاتهم وبصحبة سكاكينهم، شوارع عين الرمانة فاعتدوا وجرحوا وقتلوا، ثم فرّوا إلى الضاحية الجنوبية والجنوب، وبعد ما أخذت القضية أبعاداً خطيرة (بالرغم من المحاولات المشبوهة لتسخيف الجريمة)، تم تسليم الجناة (الضحايا)، على أمل أن يرتدع الجناة الفعليون عن الإمعان في امتهان كرامة الدولة، والإستعلاء على القوانين والمؤسسات، كي لا يسقط جورج أبو ماضي آخر، وكي لا يسقط معه عشرات الشبّان الآخرين، ضحايا للتحريض وفوضى السلاح وتلكؤ المسؤولين.
ومرة جديدة نسأل: لماذا لا يسعى المسؤولون إلى حل جذري لهذه المآسي التي تتعرض لها تلك المنطقة الحساسة؟ وذلك عبر إعادة بلدات الضاحية الجنوبية إلى كنف الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية الشرعية بدل الإستمرار بدفن الشهداء واللجوء إلى التسويات مع قوى الأمر الواقع.
وإن ننسى فلن ننسى مايا كيروز، القابعة في المستشفى منذ أكثر من 135 يوماً، حيث تبتر أعضاؤها، وهي لا تزال تعاني من الأوجاع الشديدة، بعد أن قامت مجموعة من "الزقاقيين" ترفع علم "حزب الله" (إن حزب الله هم الغالبون) بمهاجمة سيارتها، ما أدى إلى خروجها عن الطريق وكان ما كان. ولا أتذكر أن أحداً من مسؤولي الدويلة المستكبرة قد سعى للإعتذار عما ارتكبه سفهاؤها، كما أن مسؤولي الدولة غائبون عن متابعة هذا الموضوع، لكأن مايا من بلاد بعيدة لا تمت لهذا الوطن التعيس بصلة.
طبعاً لن نعدد الكثير من مآثر ثقافة "هم الغالبون"، فالحديث عنها يطول ويطول، إلا أن ثقافة الصمت والتلكؤ والإستسلام للأمر الواقع التي يعتنقها المسؤولون تثير الكثير من المخاوف، فمن يحمي المواطنين الراغبين في العيش بسلام على أرض وطنهم؟ من يحمي أمثال جوزف صادر؟ من يحمي أمثال مايا كيروز؟ سامر حنا؟ الزيادين؟ عناصر الجيش في رياق ومار مخايل؟ من يحمي الجنوبيين؟ من يحمي لبنان في غياب مسؤولين فعليين يدركون معنى المسؤولية ويتحملونها؟
إن البيان الوزاري للحكومة العتيدة التي طال انتظارها، إنما يجب أن يتضمن ما يحمي المواطنين ويعيد صادر إلى عائلته، لا ما يحمي السلاح غير الشرعي ويشرّع المربعات الأمنية التي تتمدد يوماً بعد يوم. فإذا لم تتجرأ الحكومة المقبلة على إطلاق جوزف صادر من أيدي خاطفي الجمهورية، فعبثاً تتشكل الحكومات، وعبثاً تصدر البيانات الوزارية، وعبثاً نضع ثقتنا في المسؤولين الحاليين، وعندها سيكون البحث عن مسؤوليين فعليين هو الطريق الصحيح للوصول إلى وطن فشل المسؤولون الحاليّون في حمايته. جوزف صادر ينتظركم ونحن ننتظركم فحرروا أنفسكم وأعيدوا جوزف إلى عائلته وأعيدوا لبنان إلى لبنان.
ملاحظة: إتصل بي عدد من الأصدقاء وطالبوني بالرد على "الخواجا" شربل خليل الذي تناولني في إحدى حلقاته الإلكترونية، لذلك لا بد من أن أعتذر منهم، لأنه يبدو أن "المناضل" خليل لا يستسيغ سوى أسلوب واحد ولغة واحدة في التعاطي، ما يجعله يرتدع(كما حصل مع "الديار") أو يعتذر(كما حصل مع "حزب الله")، وأنا أعجز عن اعتماد الأسلوب أو اللغة التي يفهمها وشكراً له.