الى اصحاب خطاب الجحود والضغينة
المحامي جورج ابو صعب
منذ فترة والحملة السياسية الهجومية تتركز على القوات اللبنانية في اطار جو من التعبئة العامة لدى اطراف 8 اذار تنبش القبور وتفتح دفاتر الماضي ولا تبدو مستعدة لقلب الصفحة وتصفية النية وكأنها لا تزال تعيش في الماضي مستحضرة ادبياته وسلوكياته ولغته.
فالمؤسف انه ثمة اصرارا لدى بعض القوى في 8 اذار على اعادة عقارب الساعة الى الوراء لتحميل القوات اللبنانية، في اطار حملة اعلامية وسياسية وقضائية مركزة، مسؤولية كل الحرب لوحدها ولمحاسبة القوات اللبنانية على الماضي الذي لم يكن مشرفا اساسا لهؤلاء المنقضين اليوم بثياب العفة والوطنية. ولسان حالنا يسأل : من يحاكم من ؟
فاذا كانت القوات اللبنانية عام 1975 قد حملت البندقية للدفاع عن لبنان وحماية استقلاله وسيادته في مفهومها الوطني المؤمن بلبنان الرسالة وارض الحرية والهوية. فقد كان البعض من الذين يتبجحون اليوم بمحاسبتها يهمون بالطعن بلبنان الدولة ولبنان الهوية ولبنان الاستقلال والسيادة، منساقين الى تتبع مشروع توطين ووطن بديل للفلسطينيين. وهم اليوم انفسهم يتهمون الاخرين بالتوطين ويرمون المسؤولية على غيرهم ويتناسوا انهم هم ومن يمثلون من تيارات تبعية وارتهان للجار الاقرب والابعد، هم من سهل ونسق فكرة اطلاق يد العمل المسلح الفلسطيني في لبنان وتحويل لبنان وجنوبه الى ارض " فتح " fath land حيث سمحوا للفلسطينيين باقامة الدويلة الفلسطينية على ارض الدولة اللبنانية وعلى حسابها، تماما كما يفعلون اليوم بتشدقهم بالمقاومة وبحماية بندقيتها ولو على حساب الدولة السيدة والحرة والمستقلة .
كما ان القوات اللبنانية وعندما حملت البندقية لمقاومة مخطط استبدال لبنان بفلسطين بتوجيه وتخطيط من السير هنري كسنجر السيئ الذكر وتواطؤ شبه كامل عربي – دولي مع القيادة الفلسطينية يومها لانهاء القضية الفلسطينية على حساب الكيان اللبناني الهزيل والذي كان ينوء تحت وطأة انقسامات ثورات 1860 و1958 و1973 .
كانت القوات تعتبر متصهينة واسرائيلية لان ثمة حفنة من الشباب اللبناني الشريف والوطني رفض الرحيل عن لبنان ورفض محو هوية حضارية فريدة في الشرق والعالم، يحتاجها العالم العربي والعالم الاسلامي اليوم اكثر من قبل. وعندها نعم … نعم … والف نعم ,,, كان لا بد من التحالف مع الشيطان لو اقتضى الامر ولفترة زمينة محددة لتأمين السلاح. وانا اذكر يومها عند اندلاع الحرب العام 1975 وانا من سكان عين الرمانة كانت الجحافل الفلسطينية المدججة بالسلاح والتابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والكفاح المسلح تهاجم الاحياء السكنية الامنة للاهالي الابرياء في عين الرمانة وصنين وكاليري زعتر بالصواريخ والمدفعية فيما كان اباؤنا وشبابنا البواسل يقاومون ببنادق الصيد والسلاح الفردي الذي غالبا ما تكون زخيرته ناقصة او قليلة او منعدمة .
نعم يومها كان الخيار صعبا … لابل لم يترك لنا معلمو المتبجحين اليوم بالقومية والوطنية والصمود والمقاومة والمواجهة، اي خيار للحفاظ على لبنان الا التعاون مع كل من يمد يد العون والامداد بالسلاح من تشكوسلوفاكيا كما من اسرائيل، ولكن بمقابل مالي، وليس مجانا كما يحصل اليوم مع القوى والاحزاب والتيارات الموالية لدول المواجهة المزعومة والتابعة لاجنداتها الاقليمية الدولية .
يومها حملت القوات اللبنانية الى جانب اشقائها الاحزاب والمنظمات المسيحية اللبنانية السلاح للدفاع عن الوجود ضد التسلط والاستبداد والاحتلال الفلسطيني ومن ثم السوري. فهل كام يجب ان نقبل بالاحتلال يومها كي نصبح بنظر المتطفلين من المنظرين السياسيين اليوم في المنابر وعلى الشاشات، كي نستحق ان ننعت بالوطنية ؟
ان القوات اللبنانية كان لها شرف حمل البندقية للحفاظ على لبنان وعلى الدولة اللبنانية في وقت كان اخرون ممن يدعون اليوم المقاومة والوطنية منخرطين حتى اخمس اقدامهم في مخططات التبعية والتذويب والقضاء على لبنان الدولة والشعب والمؤسسات.
وهم اليوم يكررون اخطاءهم البنوية في تركيبة تفكيرهم ويتحالفون مع الخارج ضد الدولة تحت ستار المقاومة والحفاظ على سيادة لبنان. وهم لو فعلا يريدون ذلك لكانوا اول المبادرين الى الانخراط بمشروع بناء الدولة وتقوية الدولة وتسليمها سلاحهم وترسانتهم العسكرية .
ان من يتهم القوات اللبنانية بالتعامل فترة من الزمن مع اسرائيل ينسى انه هو من تعامل مع اسرائيل ايضا :
فالشيعي تعامل مع اسرائيل ويكفي ان نذكر بعناصر جيش لبنان الجنوبي ايام سعد حداد وانطوان لحد الذين كانوا يشكلون ثلثي ميليشياته.
والدرزي تعامل مع اسرائيل من خلال التنسيق على مراحل بين دروز اسرائيل ودروز لبنان ومن خلال تجنب الجيش الاسرائيلي اثناء الاجتياح عام 1982 القرى الدرزية ومؤازرة اسرائيل ميدانيا القوى الدرزية ضد القوى المسيحية والتاريخ شاهد وحقائق الجبل التي لا ترحم جاسمة في العقول والاذهان اذا ما اوقظت مجددا .
والفلسطيني تعامل مع اسرائيل واليوم بات مفاوضا وشريكا لاسرائيل في المفاوضات وعملية السلام وكم من مصافحات علنية تمت بين الزعماء من الجانبين الى الان، وقد قبل الفلسطينيون بالتعاون مع اسرائيل من لحظة قبول قيادتهم لبنان ارضا بديلة لاسرائيل لاراحة هذه الاخيرة وانهاء قضية الشرق الاوسط على حساب البلد اللبناني الصغير .
والعرب .. كل العرب تعاملوا مع اسرائيل واولهم سوريا فيكفي التذكير بعلاقات سوريا الاستخبارية والجاسوسية مع اسرائيل بالاضافة الى الاتصالات المباشرة وغير المباشرة منذ عهد الرئيس الراحل حافظ الاسد وتبادل الرسائل السرية بين الدولتين، والهدوء اللافت الذي ينعم به الجولان منذ التوقيع على اتفاقية الهدنة بين البلدين اللدودين.
وايران الشاه كما ايران الثورة الاسلامية الخمينية تعاونت مع اسرائيل ولا تزال والشواهد والتقارير الديبلوماسية والوقائع التاريخية اكثر بكثير من ان تسرد في هذه العجالة .
وبالتالي كفانا مزايدات … وكفانا اختبارا للدم والانتماء الذي لا يخضع له الا المسيحيون. فان كان المسيحي في فترة ما من تاريخه اضطر للتحالف التكتيكي مع اسرائيل لحماية مصيره وبقائه في الوطن اللبناني فان الاخرين تعاملوا ونسقوا مع اسرائيل في سبيل القضاء على الوطن وعلى الهوية اللبنانية والتاريخ شاهد بالايام والاسابيع والشهور والسنوات .
ان القوات اللبنانية ومعها الاحزاب والقوى المسيحية الحية الاخرى كانت الاكثر وفاء للبنان … ونقولها ونعتذر من شركائنا في الوطن من الطوائف اللبنانية، لان القوات اللبنانية والقوى والاحزاب المسيحية، ورغم الاخطاء والهفوات والصغائر والكبائر احيانا من هنا هناك، لم تبع الوطن ولم تبع لبنان ولم تسمح لدولة اجنبية مهما علا شأنها وقربها وقوة تحالفها او تعاطفها من الدخول الى لبنان والسيطرة على مقدراته وفرض وصاية عليه كما فعل الاخرون الذين ينذرون العفة الوطنية اليوم ويتكلمون عن مقاومة اسرائيل. فالقوات امتداد لصوت المسيحيين الاوائل في جبل لبنان ووادي قانوبين عندما رفضوا الذل وقاوموا الطغيان ليحفظوا لاهوت الارض والحرية وبالتالي هوية لبنان .
فالى هؤلاء الصغار الصغار من على شاشات التلفزيون ومنابر غسل الادمغة الباطلة نقول : من كان تاريخه مليء بالحقد والضغينة صعب عليه ان يكون ممن يبنون الاوطان، خاصة متى استحكمت بهم العمالة وتملكت ثنايا وجدانهم التبعية والخيانة حتى ولو مع اقرب المقربين.
فالقوات اللبنانية كما سائر الاحزاب والقوى المسيحة يكفيها فخرا وافتخارا بانها لم تركع ايام الظلمة والظلامة ودفعت بصدور ودماء وعرق ابنائها وقادتها ثمن الدولة بعد ان بنى هؤلاء الصغار لاجيالنا مزرعة عمالة وتبعية … آن لنا ان نخرج منها … الى يومنا هذا .