عون يمثّل واجهة التفاوض المحلي ظاهرياًِ وتكريس النفوذ الإقليمي خارجياً
عملية تشكيل الحكومة تتحرك ضمن توزيع الأدوار وتحقيق أهداف ومصالح الدول المجاورة
<بعض وقائع الحركة السياسية تكشف بوضوح أن من يفاوض وراء الستارة ويحدّد مواقف العماد عون هو <حزب الله> الذي أسقط مشروع التشكيلة الوزارية الأولى>
يكاد بعض اللبنانيين العاديين يصدّق أن رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون، أصبح العقبة الأساس التي توقفت عندها عملية تشكيل الحكومة الجديدة منذ الانتخابات النيابية التي جرت في شهر حزيران الماضي، لأنه لم يكن موافقاً على الصيغ الحكومية التي عُرضت عليه، وبالتالي يستحيل بدون موافقته ورضاه عن حصة التكتل وأسماء وزرائه، أن تُبصر التشكيلة الحكومية النور، مهما طالت الأزمة الحكومية القائمة في البلاد، وتوقفت عجلة الدولة ومؤسساتها، وتضرّرت مقومات الاقتصاد الوطني، لاستحالة تجاهل قوة التكتل السياسية والشعبية، وعدم قدرة القوى السياسية مجتمعة تجاوز هذه القوة أو عدم الأخذ برأيه وموقفه في مثل هذه المسائل، مهما كانت هذه الآراء والمواقف محقة أو غير منطقية، ولذلك ستتوقف جميع الحلول المطروحة، أمام ما يقرره التكتل المذكور، وعلى جميع المسؤولين والسياسيين المعنيين أخذ الواقع المذكور بأقصي درجات الاهتمام والجدية، والانطلاق منه لإيجاد المخارج المطلوبة لحل الأزمة الحكومية الحالية·
ومن أجل ذلك، لم يكتب النجاح لمشروع التشكيلة الوزارية الأول، الذي قدمه الرئيس المكلف سعد الحريري إلى رئيس الجمهورية ميشال سليمان قبل أسابيع عديدة، وضمنه توزيعاً عادلاً للحقائب الوزارية، استناداً إلى الصيغة التي تم التفاهم عليها بين جميع القوى السياسية والتي تتناقض في بعض جوانبها مع نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، وتم إجهاض المشروع المذكور من قبل <الاقلية>، بذريعة أن النائب عون لم يكن موافقاً عليه، وبالتالي لا بد من إعادة البحث والتفاوض معه من جديد للتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبه وشروطه للمشاركة في الحكومة العتيدة، وإذا لم تلب بعض هذه المطالب، يستحيل تأليف الحكومة الجديدة، وستبقى الازمة تطول وتطول، كما هي سائرة في الوقت الحاضر، واصبحت جميع مطالب الأقلية محصورة بما يقرره رئيس تكتل التغيير والاصلاح، ولا بد من إيجاد صيغة تفاهم ما، وبالطبع على حساب الاكثرية النيابية أيضاً·
هكذا، ببساطة حاولت الاقلية بزعامة <حزب الله> الترويج في المنتديات السياسية والاعلامية التابعة لها، بأن الازمة الحكومة محصورة بين الاكثرية النيابية التي يمثلها الرئيس المكلف من جهة ورئيس تكتل التغيير والاصلاح من جهة ثانية، لابعاد شبهة التدخل الايراني والسوري عن عملية تشكيل الحكومة العتيدة، بالرغم من معرفة معظم اللبنانيين لحجم هذا التدخل المكشوف في هذه العملية، ولحجب تأثير سلاح <حزب الله> وضغطه الامني عن مسار تشكيل الحكومة، ولكن من دون طائل، لان كل الامور اصبحت مكشوفة بوضوح امام الرأي العام، بعدما كشفت المواقف الرسمية وبعض وسائل الاعلام التابعة للنظامين السوري والايراني عن بعض جوانب هذا التدخل علانية من دون مواربة او تضليل·
ومع ان التفاوض السياسي الذي يجريه الرئيس المكلف اصبح يدور مع النائب عون بمجمله ظاهرياً، إلا ان بعض وقائع الحركة السياسية يكشف وبوضح ان من يفاوض من وراء الستارة ويحدد مواقف تكتل التغيير والاصلاح هو <حزب الله> نفسه الذي اسقط مشروع التشكيلة الوزارية الاولى من قبل، وما يزال يحرك الامور من وراء الستارة ويدفع بالنائب عون للتفاوض ظاهرياً على مطالب وشروط التكتل اللامعقولة، والمحلية الابعاد، في حين يعلم كثيرون ان الهدف الحقيقي من وراء تأخير تشكيل الحكومة يتعلق ببعض جوانبه، في تحقيق ما يمكن ان يشكل منفذاً للتأثير السوري والايراني غير المباشر في سلطة القرار السياسي للحكومة المرتقبة عبر ما يمكن ان تحصل عليه الاقلية من حقائب وزارية حساسة في التشكيلة الحكومية الجديدة·
ولذلك، كان خيار النائب ميشال عون لواجهة تعطيل عملية تشكيل الحكومة الجديدة موفقا للتحالف السوري – الايراني المشترك، كونه يجيد بطبيعته اسلوب التعطيل الذي اكتسبه عن جدارة منذ تمرسه بالعمل السياسي في نهاية ثمانينات القرن الماضي وما يزال حتى اليوم، وهو يستفيد منه على الجانبين، في الجانب المحلي، يحاول تقديم نفسه للبنانيين بأنه الزعيم المسيحي الماروني الوحيد الذي باستطاعته ان يتحكم بمسار اللعبة السياسية الداخلية بمفرده وتقرير اتجاهات هذه اللعبة كما يريد، ويوهمهم بأنه يعمل ما في وسعه لتحصيل حقوق المسيحيين <المستباحة> من الطوائف الأخرى، كما يصرح بذلك، نواب ووزراء تكتله من وقت لآخر لجذب القاعدة الشعبية تجاههم، وفي الجانب الإقليمي اطالة أمد الأزمة الحكومية القائمة إلى أطول مدة ممكنة وإبقاء الوضع اللبناني رهينة عدم الإستقرار السياسي، في إنتظار الملف النووي الإيراني وملفات الإنفتاح السوري على دول الغرب عموماً وما يتصل بها·
وفي ضوء ما يحصل، يظهر بوضوح أن بعض جوانب الأزمة محلية، وهي تظهر في صورة التفاوض القائمة بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس تكتل التغيير والإصلاح، في حين أن معظم الأسباب والجوانب الأخرى اقليمية صرفة وتدل عليها حركة الإتصالات والإستدعاءات السياسية وما يقال عن دعوات اقليمية لتسهيل وإزالة العقبات التي تعترض ولادتها، والتي لا تخرج عن لعبة توزيع الأدوار ولكن ضمن هدف استمرار التدخل في لبنان ولو بشكل غير مباشر·