أوديب
مضى حتى الآن، قرابة الخمسة أشهر على التكليف الأوّل، وقرابة الشهرين وربما أكثر على التكليف الثاني، ولا يزال باب تأليف الحكومة موصداً، فما أن تتقدّم الاتصالات على هذا الصعيد خطوة حتى تتراجع في اليوم التالي وتعود إلى نقطة الصفر·
كانوا يتذرعون بالخارج، ويعزون إليه العرقلة والتعطيل، لأن هذا الخارج يستفيد من هذا الوضع لكي يوظفه في صراعاته الإقليمية والدولية كورقة ابتزاز، غير أن هذه الذريعة سقطت وأدرك اللبنانيون انه لم تعد هناك من عقبات إقليمية ودولية تعيق تشكيل الحكومة، وان العقدة بحت داخلية، فهناك في الداخل متضررون من قيام حكومة تواجه الاخطار الداخلية والخارجية التي تُهدّد هذا البلد بموقف موحد·
وهؤلاء يعرفهم اللبنانيون، هم الذين يضعون العصي في دواليب التشكيل، وينسفون كل تقدّم يحصل على هذا الصعيد، متذرعين بذرائع غير واقعية وغير منطقية، ولا تنطلي على عقول اللبنانيين·
فالتذرع مثلاً بالأحجام مرفوض كالتذرع بحقوق المسيحيين لأن ما من أحد انكر على هؤلاء حجمهم السياسي والتمثيلي أو تعاطى معهم عكس ذلك ولا أحد انكر على المسيحيين حقهم في التمثيل بالحكومة على أساس المناصفة، ولا أحد من الاكثرية تطاول على هذه الحقوق·
وإذا كان هؤلاء يؤشرون إلى الرئيس المكلف، ففي ذلك منتهى التجني والخبث والتعمية على حقيقة ما يبطنون، لأن الرئيس المكلف حريص، ومارس هذا الحرص، على حقوق المسيحيين بقدر حرصه على احترام الاحجام، وهو أثبت ذلك فعلاً لا قولاً كحالهم هم·
فالمسألة اذاً ليس مسألة احجام ولا حقوق بقدر ما هي عقدة <اوديب> الذي يعشق السلطة، ولا يستطيع أن يتحرر من هذه العقدة، فمارس سياسة التعطيل منذ ان عاد إلى ممارسة حياته السياسية، بدءاً بتعطيل الانتخابات الرئاسية، وتعطيل الحكومة ومجلس النواب سنوات، كما يعطل اليوم تشكيل حكومة وحدة وطنية تحفظ حقوق كل مكونات الشعب اللبناني وتعمل بعد قيامها على درء الأخطاء الداخلية والخارجية المحدقة بالوطن·
فعبثاً يحاول الرئيس المكلف ما لم تحل عقد اوديب، وهي لن تحل ما دام هناك في المعارضة من يشدّ على يديه ويرفع له الراية·