#adsense

انتفاء العرقلة الإقليمية يبرز أبعاد الصراع الداخلي

حجم الخط

انتفاء العرقلة الإقليمية يبرز أبعاد الصراع الداخلي
المسؤولية المسيحية إلى الواجهة ومعها دور الرئاسة

تعيد ازمة التأخير في تأليف الحكومة الى الواجهة في حال لم تنته في الايام القليلة المقبلة، باعتبار ان الخط البياني للتشاؤم او للتفاؤل بات اشبه ببورصة المال منذ اربعة اشهر بالتمام والكمال، اسئلة جوهرية عما اذا كان الصراع السياسي الذي كان قائما في لبنان عبر افرقاء اقليميين بواسطة الافرقاء الداخليين قد انتهى فعلاً، او ان ما جرى حتى الان من تسهيلات بدا انها دخلت حيز التنفيذ في الاسبوع الماضي تحديدا كان مجرد سلفة اقليمية على الحساب في انتظار اثمان ما، بحيث لن تحصل اي حلحلة جدية في تأليف الحكومة ما لم يتأمن المقابل لما قدم حتى الآن، أياً تكن طبيعته.

والسؤال مرده الى انه سبق لسوريا ان عرضت على المملكة العربية السعودية وحتى على الولايات المتحدة الدخول في مناقشة الوضع اللبناني والمساعدة العملية في تأليف الحكومة على قاعدة اثمان لقاء ذلك. فلم يحصل اي جواب ايجابي من الجانبين لانهما رفضا الخوض في التفاصيل، فتعرقلت الحكومة ولا تزال خلال الاشهر الأربعة الاخيرة. واذا لم يكن الوضع على هذه الصورة وكان التسهيل الاقليمي حقيقيا وليس مسرحيا واعلاميا فقط على قاعدة عدم امكان التأثير على العماد عون، علماً ان كثرا يعتقدون ان مفتاح الحلحلة اليه يفترض ان يمر عبر "حزب الله"، فهل يستطيع الصراع بين الافرقاء المسيحيين اختصار الصراع السياسي في البلد بحيث يبقى متمثلا عبرهم وفي ما بينهم؟ وتالياً، هل يستطيعون الاستمرار في تحمل مسؤولية عرقلة تأليف الحكومة بعدما أدّوا الدور نفسه الى حد بعيد في تأخير انتخابات رئاسة الجمهورية وساهموا في تغطية ايصال لبنان الى شفير الحرب الاهلية من جهة، وعلى نحو يستعيد في بعض وجوهه ذلك الصراع السياسي الذي كان يقوده الرئيس السابق اميل لحود بحيث توحي الية الصراع وادواته انه مستمر من جهة اخرى؟

فالأزمة الحكومية تبدو في جزء كبير منها كأنها مواجهة بين رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري وزعيم التيار العوني العماد ميشال عون في مسعى من الاخير لكسب الحصة المسيحية الاساسية والراجحة في الحكومة العتيدة، في حين ان افرقاء اساسيين يبدون على الحياد، وقد حصلوا على حصصهم وتمسكوا بها من دون اي تنازل او مساومة، ويستمرون بالضغط من مواقعهم وفي مجالسهم من اجل الاسراع في تأليف الحكومة. فيما كشف المؤتمر الصحافي الذي صعد فيه العماد عون موقفه اخيراً على اثر مواقف لرئيس الهيئة التنفيذية في حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع عن وجه اخر من وجوه الازمة، وهو الهزال المخيف في المشهد المسيحي الذي لا يزال يجرجر ذيوله منذ عام 1989.

وهذا الامر يستدعي، اذا كانت الازمة معبرة فقط عن الجزء الداخلي من الازمة وليس عن الصراع السياسي الاقليمي الذي يختصره المسيحيون منذ ما يزيد على عقدين من الزمن بالاصالة عن انفسهم وبالنيابة عن الآخرين، تدخلا مباشرا من رئيس الجمهورية بالتعاون مع البطريرك الماروني والكنيسة المارونية من اجل لملمة ما يبدو مسؤولية مسيحية في اصابة لبنان باضرار بالغة. وهذا ممكن مبدئيا من خلال محاولة البحث في اقتسام الحصة المسيحية في الحكومة بين الافرقاء جميعهم، تماما على ما استوعب النائب وليد جنبلاط الحالة الدرزية في اكثر من محطة ومناسبة. ولكن هذا الاحتمال يغدو مستحيلا عمليا لعدم رغبة الافرقاء المسيحيين في الاتفاق في ظل التنازع التاريخي في ما بينهم على زعامة المسيحيين ايا بلغ تراجع عدد المسيحيين المتبقين في لبنان، وايا يكن عدد من هاجر منهم بسبب الصراعات المسيحية نفسها. لكن رئيس الجمهورية قد يكون مطالبا بذلك بقوة اذا باتت المطالب فعلاً داخلية ولا صلة لها بامتدادات اقليمية، بحيث يملك عندئذ بعض الهامش في حركته، علما ان ثمة من يرى في استمرار المطالب العونية في الواجهة من دون تدخل من "حزب الله" او من حلفائه في المعارضة من اجل اظهار مرونة في المداورة في الحقائب في ما بينهم وتاليا بينهم وبين الاكثرية، استهدافا مباشرا لرئيس الوزراء المكلف من اجل اخراج الحكومة الاولى التي سيرأسها من دون اي مكسب له او للاكثرية، في استعادة معدلة على نحو طفيف جدا لحكومة ما بعد اتفاق الدوحة بما يلغي مفاعيل الانتخابات النيابية عمليا ويعطي المعارضة انتصارا على رئيس الوزراء قبل تأليف الحكومة.

لكن ينبغي الاخذ في الاعتبار ان هناك من يعتبر انه يكفي استمرار الصراع بين المسيحيين من اجل ان ينتهي لبنان كما كان معروفاً، او هو انتهى فعلا بعدما ساهم زعماؤهم في تغييرات جذرية ودراماتيكية طالت حضورهم ووجودهم وتأثيرهم، وقد حصل الجزء الاكبر من هذه التحولات في ظل اللاعبين السياسيين انفسهم. والمسؤولية التي يتطلع البعض نحو رئيس الجمهورية ليضطلع بها، مبنية في جزء كبير منها على الاستمرار في تعطيل اي دور عملي له في غياب حكومة فاعلة او اطلاق برامج اصلاحية بحيث يناله ما ينال رئيس الوزراء المكلف من انعكاسات سلبية، مع الاستمرار في تأخير تأليف الحكومة وربما اكثر، باعتبار ان ولايته محدودة زمنياً، في حين ان المستقبل مفتوح امام الحريري. ومعلوم ان ثمة من يتطلع الى الرئيس سليمان في دور اكبر لتصويب موقع المسيحيين ودورهم بالتوافق والتضامن مع الآخرين في الطائفة نفسها من اجل انقاذ ما يمكن انقاذه في هذين الموقع والدور على حد سواء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل