"قديم" يستدرج "شقيقه"!
مع اطلالة الشهر الخامس للأزمة الحكومية المفتوحة على زخم "تأزيمي" اضافي باحتياط "اقليمي" شديد الخبث، لا نرى قوى المعارضة سوى الحليف – اللدود لرئيس الوزراء الاكثر تعرضا في تاريخ رؤساء الحكومات لهجمات معارضيه.
بحسب الرئيس فؤاد السنيورة بعد خمسة اشهر من طي ملفاته واوراقه في السرايا ايذانا بمغادرتها، ومن ثم التمديد القسري لهذه "الضيافة" المديدة في تصريف الاعمال ان يبدل نظرته الى خصومه حين يكتشف، ومعه سائر اللبنانيين، انه اول من استحدث في معجم المعارضة حنينا الى "ماضٍ" ولو حديث طري العود. غالبا ما تنهج المعارضة اللبنانية الراهنة الى تغيير على البارد لكل الماضي السياسي والدستوري القائم منذ الطائف على الاقل. واذ في الذكرى العشرين لإبرام الطائف، وعشية الذكرى العشرين ايضا في تشرين الثاني المقبل للتعديلات الدستورية التزاما بهذا الميثاق، ترفع قوى المعارضة لواء "القديم على قدمه" في الازمة الحكومية. معنى ذلك ان حكومة تصريف الاعمال بكل "لا توازناتها" باتت تشكل اول خط تراكم "لماضٍ" ما، ولو بعمره القصير، لدى قوى 8 آذار والعماد ميشال عون، الى حد تفضيل المضي في ادارة البلاد بسلطة اجرائية منقوصة الصلاحيات دستوريا على قيام حكومة تستعيد بعضا من التوازن لو قيض لها ان تترجم الحد الادنى البديهي من نتائج الانتخابات.
ومعنى ذلك ايضا ان المعارضة تكاد تنطق يوما بما تشي به هذه الأزمة من اعتبار تسهيلها الانتخابات النيابية الاخيرة "خطأ تاريخيا" بعدما بدأ "الماضي الحديث" يراكم لها الانجازات والمكاسب في قضم الواقع السياسي والدستوري.
ولعلها اشد المفارقات سخرية في الحقبة الفاصلة بين الذكرى العشرين لإبرام الطائف والذكرى العشرين للتصديق على تعديلاته الدستورية، ان يتحول الصراع الكبير بين مشروعي 14 آذار و8 آذار صراعا بين ماضيين لا ثغرة فيه للنفاذ الى اي غد، ولا مجال معه لتأخير الصراع واحتوائه ومعالجته داخل المؤسسات الا بعد ان تبلغ جولات ليِّ الذراع والعض على الاصابع ذروتها التامة. وهذه الذروة بدأت تلوح في الافق مع ما ظن اللبنانيون يوما انه انتهى الى غير رجعة. والمقصود بذلك هذا الردح العائد لتمجيد التدخل السوري "الحميد" لدى حلفاء دمشق في لبنان وحضهم على تسهيل الولادة المتعثرة للحكومة، ليس على ألسنة الحلفاء وحدهم بل سواهم ايضا في الداخل والخارج. وبمعادلة سورية – سعودية او من دونها، يراد "للقديم على قدمه"، الشعار المستحدث لقوى المعارضة، ان يوقف العجلة السياسية والدستورية عند ميزان القوى "الموقت" الذي جسدته حكومة الرئيس السنيورة تحت وطأة استنزاف الرئيس المكلف سعد الحريري وفريقه ما لم يُسلما بالموقف الذي ارساه اتفاق الدوحة على الاقل، وعبثا اي تفسير آخر او رهان آخر على تقلبات "النيات الحسنة" والوساطات الحميدة.
يجري كل ذلك على "هامش الدستور" وعلى هامش الطائف، حتى غدا الهامش هو القاعدة والاصل، هو المهمش المنتهك، ولا من يسأل ولا من يتنبه الى مغزى الاناشيد المتسللة لتمجيد "التدخل الاخوي" الجديد بحلة قشيبة منبئة بانكشاف الوسط السياسي برمته وعجزه الفاضح القاتل عن الامساك بادارة الجمهورية. ومع ذلك يُراد للبنانيين ان ينشغلوا بـ"الواجهات".
وليس افضل من صراع بين "قديم دستوري" لم ينفذ بمعظمه بعد و"قديم قسري" نفذ بنجاح منقطع النظير للتمويه على استدراج تسلل خارجي عائد بحنين جارف الى الايام الخوالي والماضي اياه الذي بالكاد اصبح من الماضي. فأي هدية لبنانية اثمن من هذه الامراض السياسية المقيمة لتصحيح "خطأ الانتخابات" وربما ايضا "خطأ" استرداد السيادة والاستقلال والقرار "الحر"؟