الأزمة الحكومية وسط مفاعيل "س. س" لبنانياً وإقليمياً
محاذير متصاعدة لكلفة "التسهيل" السوري
تزامنت الاشهر الاربعة الأخيرة من مخاض تأليف الحكومة مع معادلتين حرص مسؤولون كثر على التشديد عليهما على مسامع اللبنانيين وعلى مسامع الخارج على حد سواء. اولى هاتين المعادلتين تتعلق بصيغة "س. س"، اي المملكة السعودية وسوريا اللتين ارتبطت ولادة الحكومة بتوافق الحد الادنى في ما بينهما. وكانت القمة السعودية – السورية التي عقدت اخيرا في دمشق سببا جوهريا لتحول العقد التي تواجه الحكومة بعد ذلك الى داخلية صرفة. كأن في ذلك اشارة ضمنية الى امرين احدهما ان العقد قبل القمة كانت خارجية وان الثمن الذي دفع في هذا الاطار بات يسمح بالحلحلة، والآخر ان التسهيل من جانب الدول الاقليمية ذات النفوذ سيؤدي حكما الى تأليف الحكومة. في حين ان كل الصيغ المطروحة لولادة الحكومة والتي ساهم التقارب السوري – السعودي في حلحلة عقدها تكاد تقتصر على اعادة حقيبة الاتصالات الى العماد ميشال عون، لكن من دون الوزير جبران باسيل الذي سيبقى وزيرا بحقيبة أخرى او بصيغة موازية تقتضي ايجاد اخراج شكلي لازمة الشروط التعجيزية التي لم تتبدل او لن تتبدل في الواقع وفق كل الصيغ التي يجري تداولها. ولا يفهم تالياً أين كانت نقطة قوة التسهيل السوري وكيف، باستثناء الحركة الحماسية والجديدة لدى قوى في المعارضة تقول ان الحكومة لا تتألف بقوة الانتخابات النيابية التي افرزت اكثرية واقلية جديدتين، بل بقوة التوازنات الواقعية على الارض، والمقصود بها سلاح "حزب الله" الذي يعطي مطالب العماد عون ثقلاً بحيث لا يعتقد ان هذه المطالب كانت لتتمتع به لولا دعم الحزب وقوته العسكرية، وبقوة التبدلات في المواقع السياسية بعد الانتخابات التي يقصد بها تبدل موقع النائب وليد جنبلاط، ولو ان الاخير اكد استمراره من ضمن الاكثرية من حيث المبدأ. وتالياً، هل كلفة التسهيل السوري العائد من الباب العريض هي العودة الى الصيغة الحكومية السابقة المعدلة شكلا وليس مضموناً، بما تعني هذه العودة السورية في ذاتها كعنوان لتراجع استقلال اللبنانيين وقدرتهم على ادارة شؤونهم بأنفسهم بعد استدراج واضح من جانبهم او من جانب البعض من مسؤوليهم لهذا التدخل بما يفتح الباب واسعا للتساؤل عما اذا كان الاستدراج مطلوبا لدى كل استحقاق او تحد تواجهه الحكومة العتيدة وبأي ثمن؟
اما المعادلة الاخرى فترتبط في جانب منها بمفاعيل صيغة "س. س" على صعيد المنطقة، أي ما يتعدى لبنان الى العراق وفلسطين وفق ما سرى الحديث عن ارتباط القمة السعودية – السورية بملف لبنان وما يتعدى العلاقات الثنائية بين البلدين، أي ان القمة تناولت الملفات المعقدة الاخرى التي تشمل عناية الجانبين وتعاونهما. وترتبط هذه المعادلة بجانب آخر منها بالوضع في العراق من جهة واستمرار تدهور الوضع في الاراضي الفلسطينية المحتلة بين الفلسطينيين انفسهم وبينهم وبين اسرائيل من جهة أخرى. وهذان الملفان شهدا في الآونة الاخيرة ويشهدان راهنا تدهورا مخيفا على اكثر من مستوى بحيث يثير ذلك تساؤلات لدى المتابعين المعنيين، ومنها: هل كان هذا الربط في موقعه او كان مبالغا فيه للتغطية على عقد اقليمية في مكان آخر، بمعنى اعتبار لبنان ورقة من بين الاوراق التي تتحكم بها دول او قوى معينة معروفة؟ واذا كان هذا الربط موجودا فعلا في الاشهر لا بل في الاعوام السابقة، فهل لا يزال قائماً؟ واذا كان الجواب ايجاباً، اي ان الربط مستمر بين لبنان وسائر هذه الملفات، فكيف يمكن تأليف الحكومة في لبنان وعلى أي أساس، ما دام الوضع متفجرا في العراق والمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية تضاءلت حظوظها جنبا الى جنب مع التصعيد الاسرائيلي المستمر، خصوصا ان الخضات التي شهدها لبنان في الاعوام الاخيرة بدت متلازمة، لا بل لصيقة بكل التطورات على الصعيد الفلسطيني خصوصاً؟ وهل الالتزامات الاقليمية تجاه هذا الامر تقضي بالمساعدة في ولادة الحكومة وفصلها عن السلة المتكاملة التي تجمع الوضع اللبناني مع بعض الاوضاع الاخرى في المنطقة، على ما يبدو كخطوة اولى لا بد منها بغض النظر عن امكان اقلاع الحكومة او قدرتها على ذلك او خضوع الخطوات اللاحقة لأثمان او مكاسب اخرى؟ وهذا الامر يثير علامات الاستفهام من زاوية اصرار بعض المسؤولين على ضرورة اقتناص الفرصة الاقليمية المتاحة لتأليف الحكومة، وكأنها محدودة بايام او بوقت محدد يخشى بعده ان تساهم ظروف او تطورات في رفع الاثمان لاتاحة تأليف الحكومة مجددا.
ولهذه الاعتبارات جميعها، الى جانب المصالح الشخصية وضرورة حفظ ماء الوجه للجميع، تراجعت كل التوقعات السياسية والديبلوماسية على حد سواء بقرب ولادة الحكومة، بل بدت اكثر تحفظا اكثر من اي وقت مضى، بعدما تبين عدم صدقية موجات التفاؤل المبالغ فيها والتي تبين الى حد بعيد في رأي كثر انها تهدف الى الضغط على الحريري للقبول بصيغ يروج لها سياسيا واعلاميا.