بين بري وعون… مسألة كيمياء مفقودة
عندما يُسأل نواب "كتلة التحرير والتنمية" عن موقف "الأستاذ" من "الجنرال" في ما يخص أدائه السياسي منذ عودته من المنفى، يكتفي هؤلاء بابتسامة صغيرة معبّرة وعبارة مقتضبة "نحن والعماد ميشال عون حلفاء… ولا نريد ان نتحدث اكثر في الموضوع".
ليس هناك من يشك بالعلاقة التحالفية بين الطرفين، لكن في ميزان الكثيرين لا مجال للمقارنة بين محور التحالف بين الرابية وعين التينة، ومحور التحالف على خط الرابية – الضاحية.
الفارق في الامتيازات التي يحصدها "الجنرال" من "حزب الله" والتي لا تتوافر في العلاقة مع "حركة أمل"، تردّها اوساط مقرّبة من الرئيس بري الى "ورقة التفاهم" الموقعة بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله".
هي ورقة حدّدت، برأيهم، الإطار السياسي المشترك للطرفين، ونظرتهما الى القضايا الوطنية الاستراتيجية والسياسية، وهي تفسّر واقع "الانسجام" في الخطاب السياسي على مستوى القيادتين وعلى مستوى القواعد الشعبية.
عدم توافر ورقة مماثلة بين "الحركيين" و"العونيين" لم يقد يوماً الى طلاق الحلفاء، لكنه ايضاً لم يفض الى تثبيت "قاعدة الثقة" لا على مستوى "الأستاذ" و"الجنرال" ولا على مستوى الكوادر السياسية والحزبية لدى الطرفين.
والأكيد ان مشهد جزين "الاستثنائي" في الانتخابات النيابية الاخيرة شكّل الدليل الأبرز على ذلك.
وفق قراءة المتابعين لمسار العلاقة على خط عين التينة – الرابية تصرّف رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال مفاوضات تشكيل الحكومة على أساس عدم تكرار "تجربة جزين" الخاسرة.
والقاعدة جاءت على الشكل التالي "اذا كان «الجنرال" قد اعتبر في الانتخابات أن له حقوقا مكتسبة في جزين رفض التنازل عنها لحليفه، فان للرئيس بري ضمن المنطق نفسه "حقوقاً مكتسبة" داخل اي حكومة لن يرضى بالتنازل عنها لحليفه المسيحي".
هذا ما أقفل، برأي هؤلاء، الباب امام توسع نقاش الحلفاء حول امكان اعتماد "المداورة" في الحقائب بينهما.
اما في موضوع اللجان النيابية فالمقرّبون من بري يجزمون بأن "الاستاذ" ليس من النوع الذي يرضى بتقديم "خدمات" مجانية، وتنازله المفترض عن رئاسة لجنة المال والموازنة سيعوّضه في مكان آخر…
لا تجد عملياً من يشكك في مقولة "فقدان الكيمياء" بين بري وعون.
بدأت مسيرتها منذ الثمانينات وهي لم تنته مبدئيا عند حدود "استرجاع جزين".
بين الحقبتين امتنع نواب تكتل التغيير والاصلاح عن تسمية بري لولاية رابعة، وبعد سقوط "التحالف الرباعي" واكبت المصيلح عن بعد ولادة "ورقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحرّ" من دون ان يكون لها اي دور في التقارب بين الخصمين التاريخيين.
الاهم ان العماد عون لا يمكن ان يتناسى بسهولة "انحياز" بري لميشال سليمان كي يتبوأ منصب الرئاسة الاولى، الامر الذي دفعه الى تسلم دفة المفاوضات حول انتخابات الرئاسة مع فريق "14 آذار" بدلا من رئيس مجلس النواب.
خيار الرئاسة الثانية غلب خيار الرابية، لكن ذلك لم يؤد الى انقطاع جسور التواصل بين الطرفين.
يحلو للرئيس بري تحديد خط "التفاعل" مع «الجنرال".
هو "حليف حليفي"…
اذا "حزب الله" هو الصمّام الاساسي لعلاقة مرتبكة لا تجمع بينها سوى "قبضة" الضاحية المؤيدة لمؤازرة القوتين الشيعيتين لزعيم المعارضة المسيحية، مهما بلغ سقف مطالبه.
الترجمة الاكثر صراحة لهذا التوجه تظهّرت في مفاوضات تشكيل حكومة سعد الحريري، ففي مقابل الدعم المطلق لـ"حزب الله" للصيغ المتعددة و"بدائلها" من قبل عون كان بري يلوذ بالصمت المطبق احتجاجا…
المقرّبون منه يجزمون بان "في فم الاستاذ ماء"، وسهاما ستطال الحلفاء قبل الخصوم.
برأي هؤلاء كان يمكن للحكومة ان تتشكل قبل ثلاثة اشهر، الا ان السقوف العالية هي التي اعاقت ولادتها، واثرت بشكل او بآخر على انطلاقة عهد ميشال سليمان ودورة الحياة البرلمانية والتشريعية والتنفيذية.
المطلعون على خفايا العلاقة بين الرجلين يعتبرون ان المسافة بين الرابية وعين التينة لن تكون قابلة "للتضييق" طالما عون يرفع من حين الى آخر شعار "الاصلاح والتغيير"، في وقت تروّج اوساط التكتل ان ازالة الفساد الاكبر يجب ان يبدأ من "عند الحلفاء".
هم يقصدون بذلك "امبراطورية" بري التي سخرت كل المؤسسات الرسمية لخدمة نفوذها…
لا يفترض المقربون من عون وبري ان زيارة الوزير جبران باسيل لرئيس مجلس النواب لوضعه في اجواء المفاوضات الحكومية قد تعني شيئا في ملف العلاقة بين عين التنية والرابية، خصوصا ان "الاستاذ" هو من المناصرين الاوفياء لمعادلة "السين سين" ومن المتكلين عليها لحل كل العقد الداخلية وحتى "عقدة الجنرال" في حين ان عون يردّد امام زواره ومناصريه ان اي معادلة اقليمية لا يمكن ان تؤثر على مجرى المفاوضات مع سعد الحريري، على اعتبار ان معادلة "الحقوق المستعادة" هي التي تغلب…
ولان "الجنرال" من انصار معادلة "لا احد يمون على ميشال عون..الا ميشال عون نفسه".